الاثنين، 27 أغسطس 2012

تقريب التصوف..دراسة تأويلية (2)

إشكاليات في المنهاج الصوفي
فيما يلي نناقش عددا من القضايا التي تثير الالتباس حول المذهب الصوفي، و امتد الخلاف و التباين في فهمها ليس بين الباحثين من أنصار الصوفية ، و أعداءها ، بل داخل الحقل الصوفي نفسه، و سنحاول الاقتراب من أربعة موضوعات نراها الأكثر أهمية في هذا المبحث:
1- مفهوم التوحيد عند الصوفية، و علاقته بمفهوم وحدة الوجود و أحوال الفناء، و الشهود، واليقين.
2- التوسل بالقبور، و الأولياء عند الصوفية
3- الفقر والزهد عند المتصوفة.
4- طريقة الصوفية في الذكر، و مدى موافقتها للسنة.

مفهوم التوحيد عند الصوفية
يتعامل أهل التصوف مع التوحيد على مستويين متمايزين، وإن كان مترابطين إلى حد كبير، الأول يرى فيه مصطلحا عقائديا يعني التنزيه الكامل للإله، أما الثاني فيتعامل مع التوحيد على أنه حقيقة عرفانية تستولي على الصوفي، فيتعامل من خلالها مع نفسه أو العالم أحيانا، وقد تشغله أحيانا عن إدراك بنفسه، و العالم، وتستغرق وعيه بالكلية، فإذا أردنا أن نذكر من كلامهم عن التوحيد بالمعنى الأول (العقائدي) فنذكر على سبيل المثال لا الحصر:
قول الجنيد بن محمد: " التوحيد إفراد القديم من الحدث"، أي تنزيه الله (القديم) عن صفات المخلوقات (المحدثة).
و قول الجنيد كذلك: " إفراد الموحَد بتحقيق وحدانيته؛ بكمال أحديته، و أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد، والأنداد، و الأشباه، بلا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل"
و معنى كلام الجنيد هذا بألفاظ أخرى:
إفراد القديم: أي تنزيهه، [و ذلك] بتحقيق وحدانيته: أي أن تعتقد هذه الوحدانية على حقيقتها، [و ذلك بأن تعتقد] بكمال أحديته: أي أنه لا يجوز أن يكون له ثان، و لا أن يتجزأ ، أو يقال أنه أقانيم، ونحو ذلك، و أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد،بنفي الأضداد: أي أن صفاته لا تعرف بعكس أضداد ألفاظها اللغوية، فيقال : الله عليم، ولا يقال: الله غير الجاهل ، و يقال: بصير، ولا يقال غير الأعمى، و الأنداد: أي نفي وجود المساوي، و الأشباه: أي نفي الشبه عن الله، بلا تكييف: أي من غير وصف لذاته، و لا تصوير: أي لا يصح تصوره في ذهنك، أو تصويره في رسم، أو تمثال، ولا تمثيل: أي لا يصح أن يضرب لذاته ، أو أسمائه ، أو صفاته مثال إلا ما ضربه لنفسه من نحو (الله نور السماوات و الأرض) 
ومن ذلك قول ذي النون المصري : " التوحيد : هو أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه بلا علاج ، وعلة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله ، وكلما يتصور في فهمك شيء فالله بخلاف ذلك ". 
و ما نقله قول أبي الحسين النوري:: "التوحيد تنزيه الحق عن دركه" أي تنزيه الحق أن تدركه الأبصار، و الأفهام.
ومنها قول القشيري: " قيل : التوحيد : أن تعلم أن كل ما خطر ببالك مما ترقى إليه كيفيته ، أو تنتهي إليه كميته ، أو تنتمي إليه ماهيته ، أو يليق بوصفه إنيته - فالله جل جلاله بخلافه ". أي أن الله منزه عن كل كيف، وكم ، و هيئة ، و وصف تتخيله العقول مهما كانت عظمته، لأن تصورات العقول مهما بلغت لا تحيط به.
ومنها ما ذكره عبد الله الأنصاري الهروي: " التوحيد : هو تنزيه الله تعالى عن الحدث ".
و هذا المفهوم العقائدي للتوحيد كما يظهر من هذه النصوص يتفق مع مفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة،و هي الأقوال التي يدافع بها أهل التصوف عن مذهبهم في وجه من يتهمهم بالبدعة في العقيدة، فضلا عن الكفر، و الخروج من الملة الإسلامية بالكلية، لكن لأهل التصوف أقوال أخرى تمثل جانبا آخرا من رؤيتهم للتوحيد، وهو جانب الحقيقة العرفانية، و كثير من هذه تثير الالتباس في فهمها ، وتجعل التشكك في حقيقة عقيدة المتصوفة مبررا -من وجهة نظر خصومهم على الأقل-، و نحن نثبت طرفا من هذه الأقوال ، ثم نبين لماذا أثارت الشبهة، و كيف هو تأويلها عند أهل التصوف.
فمنها قول الشبلي: " التوحيد : هو نور يعدمك لغيرك ، أو يعدم غيرك لك ".
و منها قول الجنيد: "التوحيد أن يكون الحق مكان الجميع"
و قول رويم الذي نوهنا عنه فيما قبل: "التوحيد محو آثار البشرية ، وتجرد الألوهية"
و قول الحلاج: "التوحيد فناء أوصافك، وبقاء أوصاف الحق"
و القول المنسوب لأبي يزيد البسطامي : "ما في الجبة إلا الله"
و أكثر من القول المنسوب إليه أيضا: "رفعني مرة فأقامني بين يديه، و قال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، و ألبسني أنانيتك، و ارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا"
فإن أخذت هذه الأقوال على ظاهرها أشعرت أن قائليها يتبنون فكرة "وحدة الوجود" على معنى القول بأن وجودهم هو بعينه وجود الله، و ذواتهم بعينها ذات الله، و صفاتهم هي بعينها صفات الله، و هذا المعنى يسمى بالحلول، وهو المصطلح الذي ورد في المراجع الصوفية الأقدم كاللمع مقرونا بالإنكار له والتبرأ منه حيث أفرد مؤلفه أبو النصر السراج فصلا بعنوان :"في ذكر غلط الحلولية، وأقاويلهم"، أما مصطلح "وحدة الوجود" ، فقد ظهر في أعمال المتأخرين من الصوفية مثل السهروردي القتيل، و هو غير شهاب الدين السهروردي صاحب العوارف، و الشيخ محيي الدين بن عربي، و عمر بن الفارض و العفيف التلمساني، والمحققون من أهل التصوف يصرون أن هؤلاء الأعلام ما قصدوا من قولهم بوحدة الوجود معنى الاتحاد بين الإله و العالم، أو حلوله بذاته فيه، ويؤكدون أيضا براءة الأعلام من متقدمي الصوفية الذين ذكرنا طرفا من أقوالهم، من هذه العقيدة، ولعبد الغني النابلسي الحنفي و هو من أكابر الصوفية المتأخرين رسالة في تفسير مقصد المشايخ بالقول بوحدة الوجود، وقد اطلعت على صورة من نسخة مخطوطة الرسالة المحفوظة في معهد دراسات الثقافة الشرقية بجامعة طوكيو، نقتبس منها نصا :
"إن جميع العوالم كلها على اختلاف أجناسها، و أنواعها، و اشخاصها موجودة من العدم بوجود الله-تعالى- لا بنفسها، محفوظة الوجود في كل لمحة بوجود الله -تعالى- لا بنفسها، وإذا كانت كذلك، فوجودها الذي هي موجودة به في كل لمحة هو وجود الله -تعالى- لا وجود آخر غير الله -تعالى- فالعوالم كلها من جهة أنفسها معدومة بعدمها الأصلي، و أما من جهة وجود الله -تهالى- فهي موجودة"
لكنه يؤكد في ذات السياق أن وجود الأشياء بوجود الله لا يعني مساواة الوجودين، أو اتحاد ذواتهما
"القديم موجود بوجود هو عين ذاته، والحادث موجود بوجود هو غير ذاته، بل كل واحد منهما مباين للآخر في ذاته، وصفاته، وإن اجتمعا في الظهور بالوجود الواحد، و ثبوت العين به، فإن الوجود الواحد للقديم بذاته ، و للحادث بالقديم، فالوجود الواحد القديم وجود مطلق على وجه لا أعظم منه، و في الحادث وجود مقيد على وجه يليق بالحادث"
و معنى كلام النابلسي بعبارة أسهل أن جميع ما في الكون خلقه الله (القديم) من العدم، و هو محفوظ عن الزوال و العودة إلى العدم بحفظ الله له ، وإمساكه مصداق قوله تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" ، فوجود العوالم كلها يعود إلى وجود الله، ولا وجود آخر في الكون مستقل عن وجوده، غير أن عدم استقلال وجود العالم عن وجود الله لا يعني اتحاد الوجودين في الذات أو الصفات، لأن الوجود الإلهي قديم ، مطلق لا حد له، والوجود المحدث للعالم مقيد محدود، و إن كان قائما بالوجود القديم.
و تأسيسا على هذا المفهود لوحدة الوجود رأى ابن عربي أن الوجود المحدث (المخلوقات) تتجلى فيها تجليات عظمة الوجود الإلهي القديم الذي به قامت، وبه هي قائمة، لا على معنى الاتحاد أو الحلول كما أوضحنا، فإذا انشغل الفكر بهذه التجليات و توقف عند حدها صارت له حجابا يمنعه عن إدراك الوجود الإلهي القديم ، و إذا رأى بعين البصيرة تجليات العظمة كأثر للوجود الإلهي الذي به قيام الموجودات صارت علامة على طريق الوصول لحقيقة وحدانية الله، وانطلاقا من هذا المعنى فسر ابن عربي لماذا أشرك من أشرك من الناس؟ فحسب رؤيته، فإن من اتخذ مخلوقا إلها من دون الله قد ضل عندما فطن إلى تجليات الوجود القديم في هذا المخلوق لكنه ظن أنها قائمة فيه بذاته، فظن المخلوق إلها وعبده، أما المؤمن فقد اهتدى لرؤية الوجود القديم من خلال العظمة المتجلية في المخلوق الحادث فصار هذا المخلوق بالنسبة له آية وعلامة على طريق التوحيد، وانطلاقا من ذلك قام ابن عربي بتصور دوائر متداخلة من الموجودات/الحجب/ العلامات التي تحيط بالإنسان يمكن أ، تقوده لطريق المعرفة بالله كما يمكن أن تكون حجابا بينه و بين هذه المعرفة، ووفقا لهذا الفهم التأويلي لمجمل أعمال ابن عربي يمكننا أن نفسر تلك الأبيات الشهيرة التي تبدو في بادي الرأي كفرا بواحا على نحو يتفق مع العقيدة الإسلامية ، وهي هذه الأبيات:
لقد صار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهـبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكـعــبـةُ طـائـفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدين بدينِ الـحـبِ أنى توجـَّهَـت ركائبُهُ فالحـبُ دينى وإيمانى

فظاهر هذه الأبيات يوحي أن قائلها يساوي بين جميع الديانات ، ويرى أنها و الإسلام سواء، و هذا كفر محض على هذا التأويل، فهذه الأديان تعتقد في الله غير الحق، ولا تعترف بنبوه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، و لكن إذا وضعنا هذه الأبيات ضمن السياق الفكري لرؤية ابن عربي للعالم كما بيناها لأمكننا أن نفهمها لا على أنه قبول لعقائد أهل الشرك ، ولكنه قصد أن قلبه قد صار قابلا لرؤية الوجود الإلهي المطلق الذي تقوم به هذه المخلوقات المقدسة في كل دين، لأن كل مخلوق به صورة لهذا الوجود الإلهي تتجلى من خلاله عظمة الله، و لكن ابن عربي يشيرلأن هذا التجلي لا يعني اتحاد الذات ولا تساوي الصفات، و ذلك باستخدامه كلمة (صورة)، فكأي صورة لإنسان يمكن أن نتعرف من خلالها على ملامحه، و صفاته،لكنها ليست هي ذات الشخص ولا لها صفاته،فهي لا تعدو أن تكون رسما على جدار أو ورق، أو نحتا في حجر.
هكذا يرى أهل الشرك ، بل و عامة أهل الإيمان عظمة مقدساتهم دون أن يتجاوزوا إدراك صورتها المباشرة ، لكن ابن عربي يرى ببصيرته، ويدعونا أن نرى بصائرنا الوجود الإلهي من خلال صورتها، و يترتب على هذه الرؤية أن تنشأ بينه وبين كل الموجودات علاقة حب لا من حيث هي وجود مخلوق حادث ، بل من جهة قيامها بالله ودلالتها عليه.
بالطبع يمكن لباحث آخر أن ينكر هذا التأويل ، ويصر أن ابن عربي يقصد المساواة في الصحة بين العقائد ، و أنه استخدم بيت الأوثان كناية عن ديانة الوثنية، ولوح التوراة كناية عن العقيدة اليهودية، و لوح الإنجيل كناية عن العقيدة النصرانية ، فالنص الصوفي قابل بطبيعته لتعدد التأويلات، لكن الأصل أنه متى كان ممكنا حمل أقوال أهل الملة علىالموافق للشرع فلا ينبغي أن تحمل على غيره تحسينا للظن بالمسلمين.و قد رأى بعض الباحثين أن رؤية ابن عربي و من ذهب مذهبه في وحدة الوجود لم تنبثق من الثقافة الإسلامية الأساسية و مراجعها ، بل من الفلسفة الغنوصية اليونانية، وربما من فلسفات مشرقية قديمة، و ربما من ذلك جميعا ، ثم أنهم استخدموا التأويل للربط بينها وبين عقائد الإسلام، غير أننا لا نستطيع قبول هذا الرأي ، بل نرى في أقوال ابن عربي تعبيرا فلسفيا عن رؤى مبثوثة في نص القرآن نفسه، ففكرة قيام وجود العالم بالله محل إجماع بين أهل الملة على اختلاف مذاهبهم العقائدية، و منصوص عليها في القرآن في قوله تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا"، أما فكرة النظر إلى المخلوقات باعتبارها حجابا و باعتبارها آيات في نفس الوقت فنلمحه في القرآن نفسه، فالقرآن ينبهنا أن الشمس آية على وجود الله، وقدرته، تجليا لعظمته فيقول: "و الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز الحميد" ، لكنه ينبه أنها قد تكون حجابا يحجب الإدراك عن معرفة الله يقول تعالى عن ملكة سبأ : " وصدها ما كانت تعبد من دون الله" وقد كانت تعبد الشمس.
و يقول الله في سورة حم، تنزيل " و من آياته الليل و النهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن" 
و يقول الله عن المنافقين "أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ( 19 ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ( 20)" 
فالمنافقون في ريبهم يترددون، و تتبس عليهم الأمور في شأن دعوة الإسلام، فتارة يهتدون لأنوارها ويسيرون معها، لكنها لحظات قصيرة خاطفة كالبرق سرعان ما يعودون بعدها لغفلتهم، فلا يفقهون آيات القران، أو ينتفعون بحكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) فتكون هذه الآيات و تلك الحكمة حجابا و ظلمات بالنسبة لهم ، و إن كانا نورا لمن يسر الله له طريق الهداية، و هذا معنى قول الله تعالى في سورة براءة:"وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ( 124 ) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( 125 )"
و لذلك فنحن قد نوافق على أن متأخري الصوفية ربما يكونون قد تأثروا بأهل التفلسف في طريقة عرضهم لأفكارهم، ولكنهم استقوا لباب هذه الأفكار بالتأكيد من الينبوع الإسلامي و من أنوار الكتاب والسنة.
و لقد أطلنا في دراسة مفهوم وحدة الوجود عند الصوفية لمركزيته في فهم رؤيتهم للتوحيد غير أن هناك مفاهيم أخرى ليست بأقل أهمية في هذا الصدد لعل أهمها مفهوما حال الفناء، و مقام الحرية ، و من دونهما لا يمننا أن نناقش معنى مقولات أهل التوصف التي عرضناها قبل قليل في سياق هذا المبحث، و سوف نؤجل ذلك للجزء التالي من الدراسة -إن شاء الله-.

الخميس، 23 أغسطس 2012

تقريب التصوف.. دراسة تأويلية (1)


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سبحانه لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل، و الله أكبر كبيرا، والصلاة والسلام على النبي محمد (ص) ، و آله ، وصحبه في العالمين، أما بعد:
فإن التصوف هو أكثر المباحث إثارة للجدل في تاريخ العلوم الإسلامية، فبينما نسبه قوم إلى الإلحاد ، و الزندقة، و الشرك، ورموا منتحليه بالقول بحلول الله بذاته في الأشياء ، و بعبادة الأضرحة والمقامات، و تأليه الصالحين و الأولياء، اعتبره آخرون روح الإسلام، و حقيقة الإيمان، و نعتوا السالكين سبيله بالولاية والكرامة، وعدوهم  وحدهم أهل المعرفة بالحقائق، و الإحاطة بالبواطن، و لقد كان هذا التباين في الموقف من التصوف قديم بعمر الظاهرة نفسها تقريبا، فالخلاف الذي حدث في أيامنا هذه في القرن الخامس عشر الهجري بين أبي إسحاق الحويني السلفي، و الشيخ علي جمعة الصوفي نجد له سوابق عديدة وصولا إلى الخلاف بين الإمام أحمد بن حنبل ، و الحارث المحاسبي في بدايات القرن الثالث الهجري، و على امتداد تلك القرون ظل السؤال حول التصوف مترددا لا يكاد يجد إجابة علمية موضوعية ، بل إجابات متحيزة بحسب المعسكر الذي يقف فيه الباحث إلا من رحم الله من الراسخين في العلم ، و كأن الجميع قد تشبهوا بقوم ذمهم الله - تعالى- في كتابه ، ونهانا أن نكون منهم، و هم "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" ، و لعل دعوة أحد كبار العلماء المعاصرين " لأسلفة التصوف، تصويف السلفية" هي الوصفة الأقرب لما يحتاجه الواقع التربوي الإسلامي ، إذ أن كلاً من علماء "الظاهر" ، و المتصوفة قد وضعوا أيديهم على جانب من حقائق الإسلام ، ولكن كل فريق أخطأ حين تعامل مع ما عنده على أنه الإسلام الصحيح، والإيمان السني، و ما عند أخيه على أنه الخطأ و البدعة و الضلالة، أو أنه زوائد وشواغل لا ضرورة لها، والحق أن لا غناء لطرف فيما عند أخيه على ما سنبين.
تهدف هذه السطور إلى النظر الموضوعي للتصوف، والبحث عما يمكن أن يقدمه للفكر التربوي الإسلامي المعاصر، وما هي القيم الإيجابية التي يدعمها، و السلوك القويم الذي يغذيه ، كما تحاول تحديد الأخطاء التي وقع فيها رواد هذا الطريق ، و التي انحرفوا بها عن الفهم السليم للنصوص الإسلامية الأساسية، كما تهدف أيضا لمحاولة تحديد الأسس التي يمكن أن نجدد من خلالها المنهج الصوفي لكي يلعب دورا محوريا في تقديم روحانية فعالة إيجابية تمثل طاقة خير لصالح الإنسان في الدنيا و الآخرة، كما يحاول الباحث في هذه الدراسة أن يتجنب الروح الاعتذارية التي تسود بعض الدراسات التي تحاول أن تنصف التصوف، و هي الدراسات التي اعتادت أن تنفي بدون دليل واضح الآراء و الأقوال المنسوبة لأئمة التصوف ، والتي يخالف ظاهرها صحيح المعتقد الإسلامي، أو تعاليم الكتاب والسنة، و ادعاء دسها على الشيوخ بغرض تشويه سمعتهم و سمعة التصوف رغم أن أكثر هذه المقولات مأخوذة من المراجع الصوفية نفسها، لأننا لو جوزنا ذلك لأمكن أن ندعي بالمثل أن المقولات المنسوبة إليهم، و التي تتفق مع صحيح المعتقد الإسلامي ، وتعاليم الكتاب و السنة مدسوسة كذلك بغرض تحسين صورتهم و تبييض صفحة التصوف ، و سنعتبر المقولات المنسوبة لشيوخ التصوف صحيحة طالما وردت في المراجع المعتمدة لمذاهبهم خاصة المراجع الأقدم مثل اللمع للسراج الطوسي، و عوارف المعارف للهويجري،و التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، و الرسالة للقشيري، و مؤلفات أبي حامد الغزالي، لأنه طالما أثبتت المقولة في مثل هذه الكتب الأساس عند أهل التصوف ، فإن ذلك دليل على قبولهم لها ، و أنها موافقة إما بظاهرها أو بتأويل لها لمذهبهم، سواء صحت نسبتها لهذا الشيخ أو ذاك أم لم تصح، و سيكون اعتماد الباحث على هذه الكتب التي ذكرناها دون غيرها كونها المصادر الأقدم ، والأكثر توثيقا في رأينا لمذهب أهل التصوف ، وكلام شيوخه الأكابر.
في أصل كلمة "الصوفية":
يبدأ الجدل حول الصوفية من أول تحديد أصل هذا المصطلح، و يمكننا أن نحدد أربعة أقوال أساسية في تلك المسألة:
أولا: أصلها من الصوف ، باعتبار عامة لباس أهل هذه الطريقة المتقدمين كان من الصوف زهدا، وتقشفا ، و هو الرأي الذي رجحه كثير من المتصوفة أنفسهم.
ثانيا: نسبة و تشبها بأهل الصفة: وهم مجموعة من الصحابة كانت تعيش في المسجد متفرغين للعبادة، و تلقي العلم النبوي ، و أشهرهم أبو هريرة -رضي الله عنه- و لم يكن لهم عيال و لا أموال، وعلى هذا الرأي كانت الطائفة تسمى أولا صفية، ثم تحورت إلى صوفية، و هذا ممكن نظريا ، لكننا لا نجد أبدا في أي مرجع أن مصطلح "صفية كان له أي وجود تاريخي ، بل إن أقدم المصادر و الروايات تستخدم مصطلح صوفية مما يضعف هذا الفرض.
ثالثا: نسبة لصفاء القلب و الروح: و يضعف هذا الرأي أن الاشتقاق اللغوي في النسبة للصفاء (صفائية)، و يمكن أن يحور إلى (صفاوية)، و ليس إلى صوفية.
رابعا: أن اللفظ تعريب لكلمة sofia الإغريقية بمعنى الحكمة: و هذا الرأي الذي رجحه تاريخيا أغلب أعداء التصوف لما يوحي به من تشبه أصحاب الطريقة بالوثنين، و انخلاعهم من ربقة الإسلام، واشتقاق مذهبهم من الفلسفات الكافرة، غير أن هذا الرأي تلقفه بعد ذلك كثير من المستشرقين و انتصروا له فرحين أن يجدوا للحضارة الغربية ذلك التأثير الكبير في عقائد المسلمين وديانتهم، و من خلالهم تبناه عدد من مفكري المسلمين ممن تربوا على الفكر الغربي مثل الأستاذ المغربي المعروف الراحل محمد عابد الجابري، و يتفق هذا الرأي في أصل كلمة التصوف مع الادعاء بأن المتصوفة قد تأثروا في تأسيس مذهبهم بفلسفة الإغريق، و خاصة بالمدرسة الأفلوطونية الجديدة، , و نحن نستبعد تماما هذا الرأي ، و من يذهبون له يؤيدون مذهبهم بنصوص لأمثال السهروردي صاحب كتاب "حكمة الإشراق" الذي عاش في القرن السادس الهجري، و أقوال لمحي الدين بن عربي و هو من أعلام القرن السابع، و أشباههم من متأخري المتصوفة، ونحن لا ننكر أن يكون لهؤلاء أو لغيرهم من متأخري الصوفية تأثر بفلسفة الإشراق خاصة أنها قد ذاعت نسبيا في الفكر الإسلامي منذ ابن سينا ، ولكن لا جدال أن كلمة الصوفية أقدم من السهروردي بكثير، كما أن أصول الصوفية سلوكا وعلما قد اكتملت في القرن الثاني، أو أوائل القرن الثالث الهجري على الأكثر ، و تشكلت في بيئة ثقافية إسلامية خالصة تقريبا، فنحن حين نراجع ترجمات رواد التصوف الأوائل أمثال الشبلي، والجنيد، و السري السقطي، والنوري، ورويم بن أحمد، و سهل بن عبد الله، و رابعة سواء طالعناها في مصادر المتصوفة، أو غيرها من كتب الرجال لا نجد أن لهؤلاء و من في مثل طبقتهم من المتصوفة اتصال بالثقافات غير الإسلامية، أو اطلاع على الثقافة الفلسفية اليونانية، و لا نجد بين أشياخهم من عرف بالتفلسف ، أو درسه، أو اشتغل به، لذلك فنحن نرجح أن تكون الصوفية مشتقة من الصوف لما ذكرنا من الاعتراضات التي تدفع غير ذلك من الأصول المزعومة للكلمة.


ثانيا: صعوبات منهجية في دراسة التصوف:

تتمثل أهم صعوبة في دراسة التصوف في لغة الأدبيات الصوفية نفسها، فبينما يتعامل الباحث في علم الكلام أو علم الفقه مع أدبيات تعتمد الأسلوب العلمي في الكتابة، و بالتالي يمكن لجميع الباحثين الوصول لنفس المعنى عند دراسة مصطلح من مصطلحات المتكلمين، أو الفقهاء ، أو الأصوليين، فكل الباحثين في الكلام يعلمون بالتحديد ماذا يقصد المتكلم حين يطلق مصطلح مثل القديم أو المحدث أو الجوهر أو العرض، و كل باحث في الفقه يعرف تماما ماذا يقصد الفقيه بالواجب، والفرض، والحرام ، وحتى لو تباين استخدام المصطلح بين المذاهب ‘ فإن الدارس الملم بالفقه المقارن يدرك ذلك بسهولة مثل تمييز الأحناف بين الفرض والواجب خلافا لباقي المذاهب، لكن هذا اليقين،و هذا التمييز يتلاشى تماما عند التعامل مع الأدبيات الصوفية ، لأن الباحث لا يكون أمام نص علمي بالمعنى التقليدي ، بل مع نص أدبي يعتمد الكنايات، و الرمز، ومولع بصياغة عبارات ذات مستويات عدة للدلالة ، وبإحالة المتلقي إلى المسكوت بدلا من التصريح بالمنطوق، بالتالي فإن أي دراسة للتصوف هي بطبيعتها دراسة تأويلية، وكأي دراسة تأويلية لا يمكن إغفال دور القاريء في  استخراج الدلالة من النص، أي أن المعنى يكون بالضرورة نتيجة للتفاعل بين القاريء والنص، تأسيسا على ذلك يمكن أن نتوقع أنه إذا كان للقاريء رأي سلبي مسبق في التصوف ، فلا يمكن إلا أن يستخرج معان سلبية لما يقرأ، والعكس بالعكس.

لنأخذ مثلا ، وهو قول رويم بن أحمد عن التوحيد: "محو آثار البشرية، و تجرد الألوهية"، فهذا النص يمكن تأويله على معنى أن الموحد الحقيقي ينخلع من حوله وقوته إلى حول الله و قوته، و من إرادته إلى إرادة الله ، ومن هواه إلى حكم الله، ومن التعلق بالأسباب إلى التوكل على الله، ومن فرحه و حزنه إلى الرضا بقضاء الله، فلا يكون للصفات البشرية على الإنسان أثر، و بالتتالي يظهر خضوعه المطلق للألوهية مجردا ، وعلى هذا التأويل تكون هذه العبارة التجلي الأكمل لقول الله تعالى: "قل إن صلاتي و نسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين"، لكن هذا النص يمكن لشخص آخر أن يأوله على معنى حلول الذات الإلهية في البشري، وعلى هذا يمكن استخدامه في التشنيع على المتصوفة والتصوف.، وبالمثل يمكن أن نفهم النص الشهير المنسوب إلى أبي يزيد البسطامي "ما في الجبة إلا الله" على أن الله فيها بعلمه، وقضائه، وقدره، و إحاطته كما ذهب المفسرون في تأويل قول الله-تعالى- "وهو الله في السماوات والأرض"، و يمكن أن نفهمه على معناه الحرف فنتهم البسطامي و معه المنصوفة جميعا بالكفر والضلال، و لقد كان الصوفية واعين تماما للصعوبات التي تكتنف أساليبهم التعبيرية ، و إمكانية الوقوع في الفهم الخاطيء لها بحسن نية أو بسوء نية لذلك فقد تحدثوا عن المضنون به على غير أهله، مما جر عليهم شبهة الباطنية ، و أن لهم عقيدة خفية غير ما يعلنونه للناس من اتباعهم لعقيدة الإسلام، و ساهم في دعم ذلك ادعاؤهم أن لكل مصطلح إسلامي ظاهرا هو حظ العوام من المتدينين و حقيقة يتحقق بها الخواص من أهل العرفان، لكن مراجعة أدبياتهم تؤكد أن تلك المعاني الخاصة لا تتعارض في المجمل مع العقيدة الإسلامية، أو تعاليم الكتاب و السنة، لكنها تمثل ذروة عالية لا يقدر على الوصول لها إلا الأشداء، فمثلا ورع العوام عندهم ترك اشبهات، و ورع الخواص ترك كل ما لا يقرب إلى الله، وصبر العوام عدم الجزع، وصبر الخواص عدم الحزن، وصبر خواص الخواص الانشراح لجميع ما قدر الله.

يجدر هنا أن نسأل سؤالا هاما: هو لماذا اختار الصوفية هذا الطريق الصعب للتعبير عن علومهم؟ بمراجعة كتب التصوف للبحث عن إجابة هذا السؤال نجد إجابتين، أولها إعزاز علم التصوف عن أن يرتاده من ليس من أهله من العامة، أي أن الغموض هو أسلوب متعمد صيانة المضنون به على غير أهله، و الإجابة الثانية،و هي الأجدر بالاهتمام في رأيي أن حقائق هذا العلم -من وجهة نظرهم- لا يمكن التعبير عنها كأفضل ما يكون بغير الرمز و الإشارة، أما الشرح فهو يخفي المعنى و لا يظهره لأن اللغة في استخدامها المباشر غيرمهيأة للتعبير عن حقائق هذا العلم، كما أن الشرح يذهب رونق العلم الصوفي لأنه يمنع المتلقي عن التأمل في العبارات، والربط بينها وبين تجربته الذوقية الخاصة، و لعل هذا ما قصده السراج الطوسي حين قال في اللمع: " وهذا العلم أكثره إشارة لا تخفى على من يكون أهله، فإذا صار إلى الشرح و العبارة يخفى و يذهب رونقه.

و ثاني صعوبة تواجه الباحث في التصوف أن عبارات أهله تعبير عن تجربة روحية خاصة، بأثر من كونها تنظير لمفاهيم محددة جامدة، و هذا يؤدي لما يمكن أن نسميه ذاتية الرؤية الصوفية، وعدم الانتباه لذلك يؤدي بالباحث إلى الحيرة ، فعلى سبيل المثال يعرف أحد المتصوفة الكبار حقيقة التوبة بأن تنسى ذنبك، فيما يعرفها شيخ آخر من أكابرهم بأن لا تنسى ذنبك، وهذا التناقض الشكلي ناتج من أن كل واحد منهما يعبر في الواقع عن تجربته الذاتية مع التوبة، فأما من رأى حقيقتها أن تنسى ذنبك، فقد أشار إلى معنى نسيان كيفية الذنب، و اللذة المترتبة عليه لانشغال الفكر عن ذلك بالتدبر، والجسد بالعبادة، و النفس بلذة الطاعة، و الروح بمشاهدة الأنوار، فحقيقة التوبة من شرب الخمر على هذا المعنى ألا تذكر لونها، و طعمها، ورائحتها، ونشوتها، و كأنك ما رأيتها، ولا تناولت كاسها، ولا رشفت ماءها،لكن من رأى حقيقة التوبة ألا تنسى ذنبك فقد قصد أن يظل القلب مفطورا من الندم، و العين باكية ، واللسان لاهجا بالاستغفار، و أهل التصوف يفهمون هذا التناقض الذي يبدو بين عبارات المتصوفة وبعضهم البعض، بل و بين عبارات نفس الصوفي في الأحوال المختلفة على أنه نتيجة مشاهدة لأبعاد مختلفة من شيء واحد، أو مشاهدته من زوايا مختلفة.
الخلاصة أن النص الصوفي صعب المراس، مكتنز بالدلالات، قابل للتأويلات، لا يفصح عن معناه لمن يمر عليه مرور الكرام و ولا لمن يتعالى عليه من الباحثين، نص لا يستجيب من أول مرة، و لا يبوح بأسراره إلا بعد تأمل و شقاء.