الاثنين، 23 يوليو 2012

القواعد الأساسية للرؤية الإقتصادية الإسلامية


يمكن أن نجمل القواعد الأساسية للنشاط الاقتصادى فى الرؤية الإسلامية فيما يلى:
1- الربح مقابل المساهمة الحقيقية فى إنتاج السلع والخدمات.
2- تقليل المخاطر، وتوزيعها.
3- التراضى أساس المعاملة إلا التراضى على باطل.
4- الحفاظ على الموارد، وتجنب الهدر.
5- الضرر يزال، أو "لا ضرر، ولا ضرار".
6- دور فعال للدولة.
7- المرونة والواقعية.
1- الربح مقابل المساهمة فى إنتاج السلع والخدمات:
يمكننا أن نفهم أهمية هذه القاعدة عند النظر إلى أغلب ما يسمى بالمنتجات المالية الحديثة التى تروج فى الأسواق المالية العالمية فى السنوات الأخيرة، والتى كانت سببا مباشرا للأزمة المالية العالمية التى اجتاحت العالم فى عام 2008 وما بعده، فهذه المنتجات ليست سلعة حقيقية تتداول بين البائعين والمشترين، وإنما يجرى التداول على حقوق تملك "نظرية" للمواد الغذائية، أو المعادن، أو العقارات من غير أن يتسلمها المشترون بالفعل، وتدخل فى ضمانهم، وقد بينا أن الرأى المستقر فى الفقه، والذى عليه الدليل الشرعى ألا يباع الشئ حتى يحاز ويدخل فى ضمان البائع، وبينا أن الرخصة عند بعض المذاهب والأئمة فى أنواع من البيع قبل القبض ما قصدوا بها التحيل لهذا النوع من المعاملات، وإنما تسامحوا معها، لأنهم وجدوا احتمال الخطر فى عدم تسليم السلعة منخفضا فى هذه الأصناف التى ترخصوا فيها فى تعاملات تجار زمانهم، وهى الأراضى فى رأى أبى حنيفة، وغير المطعوم من المبيعات فى رأى مالك ومن رأى رأيه، واستخدام فتواهم للتوصل إلى إباحة معاملات عالية المخاطر جدا هو عكس للأسس التى قامت عليها وتشويه لها.
وقد كان جديرا بالاقتصاديات التى تعتمد النموذج الإسلامى ألا تمارس هذه الممارسات الاقتصادية، وقد كان ذلك كفيلا بألا تقع فى الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008، لكن احتراف بعض مؤسسات التمويل الإسلامى فى بعض مدن الخليج بالذات للتجارة فى أدوات مالية مشابهة من خلال الحيل التى أدمنتها هذه البنوك قادها إلى السقوط فى نفس الفخ الذى وقعت فيه غيرها من الاقتصاديات، وهى الحيل التى يعتبرونها شرعية رغم افتقاد كثير منها للشرعية، فأصل الحيل الشرعية عند من أباحها من العلماء الوصول للمقاصد المشروعة بالطرق المشروعة، أما الوصول للمقاصد غير المشروعة بالطرق المشروعة إثم عظيم، واستهانة بالشريعة، وتضييع لمقاصدها، وإن ظهر الالتزام بها شكلا، وما كانت أزمة ديون دبى إلا نتاجا لهذا.
إن مبدأ الربح مقابل الإنتاج الحقيقى للسلع والخدمات يؤدى لتنمية حقيقية، لكن هذه الألاعيب المالية فلا تؤدى إلا إلى تضخم ثروات البعض مقابل مخاطر كبيرة يتحملها المتعاملون والاقتصاد ككل، وهذا يقودنا للقاعدة التالية من قواعد الرؤية الإسلامية للنشاط الاقتصادى.
2- تقليل المخاطر، وتوزيعها:
يمكن وصف النظرية الإسلامية فى الاقتصاد عموما بالمحافظة حيث أنها تهدف إلى تقليل المخاطر على قدر المستطاع، فتحريم بيع المنابذة والملامسة وأشباهها، وبيع المحاقلة، وهو بيع المحصول فى الحقل بتقديره حبوبا، والمزابنة، وهو بيع الثمر فى الأشجار بخرصه زبيبا أو تمرا، وسائر بيوع الغرر يهدف إلى تقليل المخاطر، وتقليل أسباب النزاع، وبالمثل تعليق المبيع على شرط مستقبل والرهان والقمار ونحو ذلك محرم للخطر فيه، غير أن الشريعة لا تهدف إلى تقليل المخاطر فحسب، بل إلى توزيعها على المتعاملين بحيث تقل وطأة الوقوع فيها، إذ إن الخطر لا ينفك عن أى نشاط اقتصادى فى الواقع، ولذلك اعتمد الفقهاء قاعد "الغنم بالغرم" فلا يجوز أن يشترط شريك فى شركة أو رب المال فى المضاربة عدم تحمل الخسارة.
ومن وسائل توزيع المخاطر أيضا وضع نظام مستقر لمساعدة الغارمين من خلال تخصيص حصة لهم فى مصارف الزكاة وسنتبين ذلك لاحقا فى القسم الثانى من بحثنا.
3- التراضى أساس المعاملة إلا التراضى على الباطل:
وأساس ذلك قول الله تعالى: "لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"، وحديث النبى () "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرام حلالا" فلا يجوز عقد الربا، ولا عقد الضرر، ولا العقد المعلق على الخطر، ولا الشروط الفاسدة بحجة قبول طرفى التعاقد، فتأسيس النشاط الاقتصادى على العدل لا يتعلق برضاء الأفراد أو بعدم رضائهم، لأن أفعالهم لا تؤثر فى حياتهم فقط، بل فى مجمل أوضاع الاقتصاد، والعلاقات داخل المجتمع.
4- الحفاظ على الموارد، وتجنب:
وقد فصلنا القول فى ذلك فى إدراج سابق، فلا داعى للتكرار.
5- الضرر يزال، أو "لا ضرر، ولا ضرار":
وهذه قاعدة أساس من قواعد الشريعة الكبرى فى العبادات، والعادات جميعا، ومعظم ما ذكرنا فى القواعد الأربعة السابقة يدخل أيضا تحت هذه القاعدة، لكن أفرد الحديث عنها فى عنوان مستقل لإلقاء الضوء أكثر على تطبيقاتها فى النشاط الاقتصادى.
فإزالة الضرر تؤدى إلى منع إنتاج بعض المنتجات كما أوضحنا مثل الخمر، والخنزير، والأصنام لأنها تؤدى إلى ضرر بالدين والعقل.
وإزالة الضرر قد تبرر وضع رقابة صارمة، وترتيبات معينة لتجارة السلع التى تحتاج لذلك مثل الأسلحة والأدوية.
وإزالة الضرر تمنع فى الشرع بعض الممارسات كالنجش، والسوم على سوم الآخر. وإزالة الضرر تبيح استثناء بعض الممارسات من قاعدة الوفاء بالعقود بمجرد إبرامها مثل خيار الرد بالعيب، وخيار الرؤية، وخيار المجلس عند من اعتبرهما من الفقهاء.
وإزالة الضرر تؤدى إلى تقييد حق المالك فى التصرف فى ملكه من خلال اعتبار حق الشفعة للشريك، أو للشريك ثم الجار على خلاف المعروف بين المذاهب، ومن هذا الباب فتوى بعض العلماء فيمن أراد أن يجعل من عقار يملكه فى سكة غير نافذة حماما (السكة غير النافذة هى الشارع المفتوح من جانب واحد، ويعتبر فى الفقه الإسلامى منفعة مشتركة بين سكانه) أن لهم حق منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل أو أقل من دخان الجيران، لأنه إذا كان دخان الحمام أكثر من دخان الجيران ففيه مضرة للجيران، أما إذا كان دخان الجيران مثل دخان الحمام أو أكثر كأن يكون فى نفس السكة مصبغة، أو شئ مشابه، فإن رغبتهم فى منع إقامة الحمام من باب الإضرار بصاحب العقار بدون سبب وجيه.
وتأسيسا على هذه القاعدة يمكن أن نقيم الكثير ممن الممارسات المعاصرة فى الاقتصاد فالأصل فى العقود فى الشريعة الإسلامية التراضى، لكن إزالة الضرر قد تؤدى إلى تقييد هذا الحق أحيانا، فالأصل فى تحديد أجر الأجير، ومواعيد العمل التفاوض، والاتفاق، لكن إذا كانت الظروف المحيطة تسمح لرب العمل أن يحيف على العامل فبخسه حقه، أو يكلفه فوق ما يطيق، فللحاكم أن يقيد ذلك ببعض الشروط التى تضمن تحقيق العدل كتحديد حد أدنى للأجر، أو حد أقصى لساعات العمل.
والأصل فى التملك إطلاق التصرف فيما تحت اليد، لكن قد أوضحنا أن الفقهاء قيدوا ذلك أحيانا بالشفعة، وبمنع ممارسة بعض الأنشطة المضرة بالجيران، وقد يدخل فى ذلك حق الحاكم فى تقييد زراعة بعض المحاصيل، والأشجار المستهلكة للمياه للمصلحة العامة مثل الأرز، والموز، أو تلك المرهقة للتربة.
لكن قاعدة الضرر يزال تضبطها قاعدة أخرى فى الفقه الإسلامى هى:
"الضرر لا يزال بالضرر"
فرفع الضرر عن أحد الأطراف لا يكون بطريقة تؤدى لإلحاق الضرر بطرف آخر، فللشريك الحق إذا كان يريد الشراء أن تكون له الأولوية بالشفعة، لكن الضرر الواقع عليه فى حال البيع لا يكون مبررا لكى يمنع شريكه من بيع حصته لغريب إذا كان لا يريد هو الشراء، أو أن يشترى بثمن أقل مما عرض الأجنبى لأن فى ذلك ضرر على الشريك الراغب فى البيع، ولا يزال ضرر بضرر.
ولذلك حمل كثير من الفقهاء حديث أبى هريرة عن النبى (): "لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرس خشبة فى جداره" على الندب والاستحباب، لكن لا يقضى به على المالك لأنه إذا وجب عليه ذلك، وقيس عليه ما فى بابه لأدى ذلك لسقوط حق المالك فى احتكار نفع ما يملكه، وهو لب مفهوم الملكية، وللحق الناس فى أموالهم ضرر كبير، فلا تزال المضرة الواقعة على الجار فى عدم وجود مكان لتعليق خشبته (مثل اللافتة الإعلانية) ا بالإضرار بالجار صاحب الجدار بإجباره على إدخال ما يكره على ملكه.
لكن من وجهة النظر العملية لا يمكن إزالة ضرر من غير أن يلحق أى طرف من الأطراف ضرر بالكلية، فمثلا منع التجارة فى الخمور، والمخدرات يحرم المتاجر فيها من الربح، وهذا مضرة، وينطبق هذا أيضا على منع الاحتكار، والربا.
لذا فقد قسم الأصوليون الضرر من حيث إزالته إلا ما يلى:
1- الضرر الذى لا يترتب على إزالته أذى يذكر، وهذا ضرر يجب رفعه.
2- الضرر الذى تؤدى إزالته إلى مفسدة، أو ضرر أقل من الضرر الأول واجب الإزالة أيضا.
بدليل قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا"
فحرم القرآن الخمر والميسر مع الإقرار بوجود منافع فيهما لأن إثمهما (أى ضررهما) أكبر من نفعهما.
3- الضرر التى تؤدى إزالته إلى مفسدة مساوية للضرر الأول: مثل أن يقع التهديد على إنسان بالقتل إذا لم يقتل فلانا، فهذا ضرر لا يجوز رفعه على هذا النحو، ويجب عليه أن يصبر على القتل، ولا يمارس هو القتل، لأن "الضرر لا يزال بالضرر"
هذا فى الفتوى، أما فى الحكم والقضاء، فالإكراه على القتل بالتهديد بالقتل يمنع القصاص من القاتل، والراجح أن يقتص من المكره لأن القاتل فى حكم الأداة فى يده.
4- الضرر الذى تؤدى إزالته لضرر أكبر، وهذا الضرر منهى عن إزالته.
6- دور فعال للدولة:
يتمثل الدور الأساس للدولة فى الرؤية الإسلامية للنشاط الاقتصادى فى الوقاية الفعالة لضمان عدم خروج المتعاملين عن أحكام الشريعة، وعدم خروج العملية الاقتصادية عن القواعد الأساسية التى ذكرناها.
فقد اعتمد المسلمون الآية القرآنية: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" لاستحداث وظيفة المحتسب بدء من عهد عمر بن الخطاب، وكان الدور الأساسى للمحتسب هو مراقبة الأسواق لضمان عدم خروج المعاملات عن ما أحله الله تعالى.
وقد كان المحتسب يمد رقابته لأسواق الطعام، والمنسوجات، والأدوات المعدنية، وغيرها، و كذا أصحاب الحرف، والصناعات المختلفة، والنصوص التراثية التى تحدد عمل المحتسبين توضح أن هذه الرقابة كانت تمتد لضمان تطبيق أصحاب المهن والتجار القواعد العامة للرؤية الإسلامية وتنزيلها على مهنهم على النحو الأفضل، وليس مجرد تطبيق نصوص ضيقة حول الحرام، والحلال، فالمحتسب عندهم يجب أن يضمن أن تكون أسقف المخابز عالية مع وجود فتحة واسعة للسقف لخروج الدخان، وذلك لإزالة الضرر عن العاملين بالمخبز، ويجب أن تستخدم ملابس ضيقة الأكمام، حتى لا تقع فى العجين، و أن يربط جبينه بقطعة قماش حتى لا يسقط عرقه فى الطعام، حتى لا يشمئز من ذلك المشترى صيانة لحقه فى إزالة الضرر عنه.
وقد كان الاحتساب وظيفة طوعية فى بداية الإسلام، ومن هنا جاء اسمها لأن القائم بها يحتسب أجر مجهوده عند الله – تعالى – لكن مع تغير الأحوال، وتبدل الزمان لم يعد ممكنا إيجاد العدد الكافى من المحتسبين المتطوعين، وإن وجدوا لم يكن سهلا على السلاطين والأمراء إجبارهم على القيام بتكاليف مهمتهم على أكمل وجه طالما أنهم لا يتلقون مقابل لها، ولذلك تحولت الوظيفة مع الأيام إلى عمل بمقابل مادى، وحتى البلاد الإسلامية التى كان يسود فيها مذهب لا يرى جواز الإجارة على أعمال الخير المأجور عليها من الله كالخطابة، وتعليم القرآن مثل المذهب الحنفى، تحيل علماؤه المتأخرون كى يبيحوا إعطاء القائمين على هذه الأمور (ومنها الاحتساب) مقابلا لعملهم تحت اسم المعلوم، والعطية لتجنب تسميته أجرا، وذلك حتى يمكن لهذه الوظائف أن تستمر فى الوجود مع قلة المتطوعين.
غير أن أمر المحتسب لم يكن مثاليا بالكلية، فقد أدى منح سلطة التعزير له إلى حالات من سوء استغلالها، وساهم فى ذلك أن بعض الدول الإسلامية أضافت للمحتسب وظيفة وأد الفتنة ومنع انتشار الشائعات، فانحرفت المهنة عن غرضها الأول، وأصبح لها دور أقرب للبوليس السياسى ومباحث أمن الدول فى الدول التسلطية الحديثة كما كان الحال فى عهد دولة المماليك الشراكسة فى مصر، وبالتالى زادت فرصة المحتسبين ذوى الضمائر الخربة فى التربح، غير أننا لا نناقش أمر المحتسب فى ذاته، فكل مؤسسة عرضة لانحراف جماعة من أبنائها، وحتى لانحراف المؤسسة نفسها فى وقت من الأوقات، ولكننا نريد توضيح أن أمر الرقابة من الدولة على النشاط الاقتصادى له تاريخ عريق فى الفكر الإسلامى، ومن الممكن أن يتم إحياء ذلك من خلال الصور المعاصرة المختلفة، وبشكل عام فإن بالدول الإسلامية العديد من المؤسسات التى تمارس عمل المحتسب بعضها تابع لجهاز الشرطة، وبعضها تابع لوزارات العدل فى هذه الدول، وبعضها لوزارات الزراعة، والتجارة، والصحة، وغيرها، وليس المهم تأسيس مؤسسة باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا أن يكون هناك موظف اسمه المحتسب، ولكن أن يتم تطهير المؤسسات الرقابية بحيث تؤدى عملها كما ينبغى، وأن تستغل فى فرض الرقابة التى تضمن تحقيق الرؤية الإسلامية فى عالم النشاط الاقتصادى.
فصل: فى التسعير الإجبارى:
الأصل عند علماء الفقه أن التسعير الإجبارى لا يجوز لحديث النبى () وقد طلب إليه بعض الصحابة أن يسعر لهم فقال: "إن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المسعر"، ذلك أن التسعير الإجبارى قد يؤدى إلى بخس حق التاجر لصالح المستهلك، إذ أن الحكومات تميل غالبا ما يرضى الأكثر، ولو على حساب العدل تثبيتا لملكها، ونحن نلمح أثرا لذلك فى تحديد إيجارات المساكن فى مصر حيث انحاز المسعرون لمصلحة السكان على نحو أخل بشدة بمصلحة الملاك، بل أهدر الكثير من حقوق الملكية الخاصة بهم، إذ إن جوهر التملك هو إنفراد المالك بالتصرف فى ملكه، وهو ما اعتدى عليه المشرعون الوضعيون على نحو أهدر مفهوم العدالة، وذلك نفاقا للسكان إذ أنهم الأكثر عددا على المستوى القومى، وبدلا من أن تقوم الدولة بواجبها فى البحث عن طرق لحل مشكلة الإسكان فضلت أن ترفع عن نفسها جزءا من واجبها، ووضعته على كاهل أصحاب العقارات رغم أن ذلك ليس بواجب عليهم وليس لازما عليهم أن يتحملوه، وهكذا نجد، فى كثير من الأحوال أنه عادة ما تعجز الحكومات عن مواجهة الشعوب بأن العدالة تقتضى رفع الأسعار، خوفا من رد فعل الجماهير، فتحافظ على الأسعار المنخفضة التى تغبن المنتجين والتجارة، وتبخسهم أشياءهم، فيلجأون إلى تقليل جودة المنتج، أو بيعها فى السوق السوداء، وبذلك يخلق التسعير الإجبارى من المشكلات أكثر بكثير من تحديد الأسعار بواسطة العرض، والطلب.
هذا الذى ذكرنا رأى الفقهاء فى التسعير الإجبارى عموما، وهذا محمول على الأحوال التى تؤدى فيها ظروف السوق للتحديد العادل للسعر، وذلك أن يكون هناك سهولة فى الدخول إلى السوق، وحرية فى الخروج منها، وتنافسية حقيقية بين التجار، والمنتجين، لكن هناك حالات استثناها كثير من الفقهاء من قاعدة عدم التسعير، وهى حالات الاحتكار خاصة فى الأقوات، وما أشبهها من السلع الأساسية التى يضطرب المجتمع لغلو سعرها، ويمكن أن ندخل فى ذلك اليوم الوقود، ومستلزمات البناء، والأدوية، وأشباه ذلك، فمن الواجب على الحكام التدخل لمنع قيام المحتكر بممارسات تؤدى إلى رفع الأسعار، لأن الناس تتضرر بشدة من ذلك، وليست لهم القدرة عن الاستغناء عن هذه السلع، أو تقليل استخدامها لهم حتى يجبر التاجر على تخفيض الأسعار (سلع غير مرنة بالمفهوم الاقتصادى الحديث)، وهنا اختلف العلماء فيما بينهم فى الكيفية التى يمكن أن يحدث بها ذلك، فرأى بعض العلماء أنه لا بأس بالتسعير على المحتكر بعد استشارة أهل الخبرة لتحديد السعر العادل إذا خيف الضرر على الناس، وليس ذلك بمخالف للحديث النبوى، وإنما هو للضرورة فإذا انتهى الاحتكار، وفشت السلعة وجب على الحاكم رفع التسعير لانقضاء الضرورة، وممن ذهب لذلك الإمام أبو حنيفة، وقال تلميذه محمد الشيبانى بأن يجبر الحاكم المحتكر على إخراج سلعته، وبيعها حتى يرخص السعر، ولا يسعر عليه للالتزام بنص الحديث، ويقاس على رأى محمد فى عصرنا إجبار الحاكم أصحاب المصانع على تشغيل مصانعهم بالطاقة القصوى، وإخراج كل ما ينتجونه للبيع بغير تخزين، أو تصدير لخارج البلاد، والرأى عندى أن كلا مما ذهب إليه الإمام، وما ذهب إليه تلميذه صحيح، ومؤسس فقهيا بشكل سليم، وإنما الرأى فى ذلك لأصحاب الرأى الاقتصادى.
والاحتكار عند بعض العلماء يكون فى كل سلعة يؤدى منعها أو رفع سعرها بضرر معتبر بالناس، ويلحق بهم العنت، وهو بهذه الصفة محرم، ويتدخل لمنعه إذ تحققت المضرة وعند بعضهم يكون فى أقوات الناس والبهائم حراما. وعند بعضهم فى الطعام فقط.
والملاحظ أن الخلاف بين الآراء الثلاثة خلاف شكلى فحسب، فمن قال من العلماء بالرأى الأول فقد قعد القاعدة العامة، وترك لكل حاكم أن يطبقها على حسب زمانه ومكانه، أما أصحاب الرأيين الآخرين فقد أفتوا لعصرهم ومكانهم فالرأى القائل بأن المحرم من الاحتكار ما يكون فى الطعام فقط، وهو قول مالك فقد نظر إلى ما كان احتكاره فى مجتمعه به مضرة راجحة بالناس فما وجد إلا الطعام، لأن وقودهم كان الحطب، وهو شائع لا يتصور احتكاره، وكذا دواؤهم من الأعشاب، وغذاء بهائمهم من الرعى فى المرعى الطبيعى، أما القول بأنه فى أقوات الناس والبهائم، فهو قول جماعة من فقهاء العراق لأن البهائم عندهم علوفة لا رعوية فأمكن احتكار طعامها، فكأن جميع الفقهاء فى الواقع قد قاسوا على قول أصحاب الرأى الأول.
صور جديدة للاحتكار:
ونحن إذ طبقنا قاعدة منع الاحتكار فيما يلحق منعه عن الناس الضرر المعتبر، والعنت بهم لأمكننا أن نعد سلعا كثيرة ما عدها القدماء، وما عرفوها، وهى اليوم من ضرورات الحياة، ومن ذلك الأدوية الحديثة، وأحد صور احتكار فيها تلك الأدوية التى تملك حقوقها الشركات، والتى تنتج بمعرفتها، وبترخيص منها، فهذه الصورة من الاحتكار لم تعرفها المجتمعات قبل المعاصرة، وتحتاج لضبط حكومى لمنع الاستغلال، وقد رأينا أن فى شريعتنا ما يسمح بذلك.
ولا يمكن أن ننهي هذا المبحث من غير أن نعرج على سؤال من يتولى عملية الإنتاج: الدولة، أم الأفراد، وهو سؤال سببه ظهور المذاهب الاشتراكية، وقد تباينت الإجابة على هذا السؤال عبر المائة سنة الأخيرة بشكل لافت، فقبل عقد سبعينيات القرن الماضى (العشرين) كانت الإجابة أن الإسلام يميل إلى توسع الدولة فى عملية الإنتاج، وتولى قيادتها حتى استبد الحماس لهذا الرأى بأمير الشعراء أحمد شوقى فقال مخاطبا النبى (ص): "الاشتراكيون أنت إمامهم" وممن مال لهذا الرأى الشيخ مصطفى السباعى فى كتابه "اشتراكية الإسلام"، والأستاذ "سيد قطب" فى أعماله المبكرة مثل كتابه "السلام الاجتماعى فى الإسلام"، ولا يمكن عزل ذلك عن رواج الفكرة الاشتراكية الهائل فى الثلثين الأوليين من القرن العشرين، واتساع النظرة إليها بين شعوب الجنوب تحديدا باعتبارها المخلص من التخلف والفقر والظلم الاجتماعى، وقد كان ذلك حتى تبدلت النظرة لها مع انكسارات المعسكر الشرقى، وانهيار الاتحاد السوفيتى، فتغيرت آراء الإسلاميين، وصار الإسلام من وجهة نظرهم رأسماليا يدعم اقتصاد السوق، وحرية التجارة، وذلك دليل على أن الرأيين لم يكونا مؤسسين على استدلال شرعى معتبر، وإنما محاولات لإلباس الأفكار الغربية رداء الإسلام بلى أعناق الأدلة، ومن ينظر للمجتمع المسلم فى عصر النبوة، والخلافة الراشدة لا يشك أن الملكية الفردية كانت الأساس للمجتمع، وأن النشاط الاقتصادى للأفراد المؤسس على العرض والطلب هو المحرك الرئيسى للاقتصاد، وأن جل أبواب الفقه الإسلامى فى مسائل المعاملات تنظم مجتمعا قائما على ملكية الأفراد، ونشاطهم بالرغم من ذلك نجد حضورا قويا لفكرة الملكية العامة لوسائل الإنتاج، فبعد فتح المسلمين لعدد من البلدان الزراعية استقر رأى الصحابة فى عهد عمر بعد مشاورات على أن تكون جميع أراضى البلدان المفتوحة الزراعية ملكا للدولة، وأن يقر أصحابها قبل الفتح عليها على أن يؤدوا خراجا لبيت المال، وكانت العلة التى دفعت عمر لهذا الرأى، وأقنعت به غيره من الصحابة هو أنه رأى أن لمن سيجئ من المسلمين بعد جيل الفاتحين ممن يدخل فى الإسلام حق فى هذا المال، واستدل بالآية القرآنية: "وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ" وقد جاءت الآية معطوفة على من لهم حق فى الفئ من المهاجرين والأنصار، فنظر عمر فى ذلك إلى مصلحة المسلمين لا فى عصره فقط، بل فى العقود والقرون التالية، وكان قرار عمر بموافقة الصحابة أساس ما عرف فى الإسلام بأرض الخراج المملوكة للدولة، والتى ظلت كذلك قرونا حتى وزعها السلاطين والأمراء فى أقطار العالم الإسلامى على الأفراد بيعا أو إقطاعا على مدى القرون.
مما سبق يتضح أن امتلاك أدوات الإنتاج فى الإسلام لا يخضع لتفضيل أيدلوجى، ولكن لاعتبارات المصلحة، فإذا كان من مصلحة الدولة أن تحتفظ بثروة قومية معينة، أو أن تؤمم صناعة ما لاعتبارات الأمن القومى فذلك مما يباح، أما إذا كان ذلك بغرض الإضرار بفئة اجتماعية انتقاما أو خوفا من نفوذها على سلطة من بيده السلطان فذلك مما يحظر طبقا لقاعدة "تصرف الإمام فيما يلى مقيد بالمصلحة"، لكن يجب مراعاة حقوق الملاك والملكيات القائمة عند صدور هكذا قرارات، فأى نزع للملكية فى الشريعة الإسلامية لا يكون إلا من خلال عقد بيع بالسعر المجزى للبائع، ولا يحتج بما فعل عمر فى مسألة الأرض المفتوحة عنوة لأنه اعتبر أن ملكيتها آلت للمسلمين غنيمة حرب، وهذا لا ينطبق على أموال المسلمين وأهل الذمة.  

7- المرونة، والعملية
تتأسس هذه القاعدة على قاعدة أخرى أعم هى أيضا من أصول القواعد الفقهية التى اعتبرها علماء الشريعة أساسا لتشريعاتها، وهى قاعدة "المشقة تجلب التيسير" أوب صياغة أخرى "رفع الحرج"
وتتأسس هذه القاعدة على الآية القرآنية " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" والحرج هو الضيق.
وكذلك تتأسس على قول النبى (ص): "إن هذا الدين يسر".
وتفسير ذلك أنه كلما تحققت المشقة أتت الشريعة بالرخصة لرفعها.
وتجليات هذه القاعدة فى التشريعات الإسلامية المتعلقة بالنشاط الاقتصادى عديدة منها:
أ- إباحة بيع السلم، وهو تعجيل دفع الثمن للبائع على أن تكون السلعة دينا فى ذمته وهذه رخصة لحاجة الناس للتعامل به لتوفير السيولة ولذلك سماه بعض العلماء "بيع المفاليس".
وبيع السلم مستثنى من تحريم بيع المعدوم، وبيع الإنسان ما ليس عنده، ولكن وضع العلماء شروطا تضمن تقليل الغرر والمخاطرة، وجعلهما فى الحد المقبول، وذلك موافق لقاعدة تقليل المخاطر، وللنهى الشرعى عن بيع الغرر.
فمن شروطهم:
- أن يحدد المتعاقدان فى إتفاقهما الشئ المسلم فيه بقدره إن كان كيلا أو وزنا أو عددا، وصفته على نحو لا يقضى للمنازعة.
- أن يحدد الثمن بدقة.
- أن يحدد الأجل بدقة.
- أن يكون الشئ المسلم فيه من المكال والموزون، أو العدد المتقارب كالجوز، والبيض (الذى لا تتباين الصفات بين أفراده بشكل مؤثر)، أو مما يمكن ضبط صفته بدقة لا تفضى للمنازعة، ولا يكون فيها الغرر الظاهر، وهذه القاعدة متفق عليها، ولكن تطبيقها مختلف فيه فربما وجد فقيه أن سلعة ما يمكن ضبط صفتها على النحو المذكور فيجيز التعامل فيها بالسلم، ويرى غيره عكس ذلك فلا يجيز، فالاختلاف فى ذلك اختلاف فى التقدير.
- أن تكون السلعة المسلم فيها موجودة فى الأسواق ساعة العقد، ويتوقع أن تكون موجودة طول مدة الأجل حتى موعد التسليم هذا عند الأحناف، وعند الشافعية يكفى أن يكون من المتوقع وجودها فى موعد التسليم، وهذه الشروط تهدف إلى التقليل من خطر العجز عن التسليم.
- أن تكون السلعة والثمن مما يجوز بيعهما بالأجل ولا يكونا من الأصناف التى يحرم فيها النساء (أى البيع بالأجل) تجنبا للسقوط فى ربا النساء، وقد فصلنا ذلك سابقا.
ب- إباحة الإجارة عند العلماء إلا خلافا شاذا لا يؤثر فى الإجماع، وفى ذلك رخصة باستثنائها من النهى عن بيع المعدوم، لأن الإجارة بيع للمنافع، وهى معدومة عند التعاقد، وذلك لحاجة الناس الملحة للاستئجار العقار، والأرض، والأشياء، والأشخاص، حتى أن المشقة تلحق بالناس بمنعها فأتى الشرع بالتيسير، ودليل ذلك تعامل الناس فى عصر النبى () من غير إنكاره مع شيوع ذلك بينهم، فكان إقرار منه وتعامل الصحابة فيه من غير إنكار أحدهم فكان إجماعا منهم.
ج- إباحة المضاربة، وهى الإجارة على العمل فى المال، واستثماره بنصيب من الربح، وهذا استثناء من الأمر النبوى: "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، ومن النهى عن الضرر، لأن الربح غير معلوم قيمة، فيكون فى الأجرة بعض الضرر، ولكن منع المضاربة فيه حرج على الأفراد والمجتمعات، لأنه ليس كل من يملك المال بقادر على استثماره بنفسه فلولا المضاربة لترك عدد كبير من الناس استثمار أموالهم واستهلكوها حتى تفنى، وللحق المجتمع حرج بتعطيل جزء كبير من ثروته.
د- إباحة المزارعة عند كثير من العلماء، وهى إيجار الأرض للزراعة ببعض الناتج منها، وفى ذلك رخصة باستثنائها من النهى عن الضرر، لأن مقادير ما تغله الأرض غير معلوم وقت العقد، وذلك لحاجة الناس إليها، فليس كل مزارع يملك أرضا، وليس أكثر المزارعين بقادرين على إيجار الأرض بمال معلوم، لأن الغالب عليهم الفقر، فترخص كثير من العلماء فى إباحة المزارعة، واستدلوا لذلك بأن أكثر الصحابة قد أباحوها، ولم يرد النهى عنها إلا فى أحاديث رافع بن خديج المعروفة فى هذا الباب، وهذه الأحاديث لها العديد من الروايات المختلفة الألفاظ والمتباينة طولا واختصارا، وللفقهاء حسب مذاهبهم طرق مختلفة فى فهمها وتأويلها، وليس ذلك موضع مناقشتها، فمن أراد التوسع فى المسألة فيطلبها فى مظانها.
ونلاحظ أن قاعدة المشقة تجلب التيسير أو "رفع الحرج" قريبة من قاعدة إزالة الضرر، ولكنها تتعلق بنوع واحد من الضرر، وهو المشقة الناتجة عن تطبيق بعض الأحكام الشرعية، فتدخل الرخص لرفع هذه المشقة، وإزالة هذا الضرر.

السبت، 21 يوليو 2012

رؤية الإسلام للإنسان ووظيفة أعمار الأرض


يقول الله تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"
وردت هذه الجملة فى سياق القرآن على لسان النبى صالح(عليه السلام) يذكر بها قومه بنعم الله عليه، وقد اختلفت أقوال المفسرين فى معنى الاستعمار فى الأرض فى هذه الآية، والذى نرجحه من أقوالهم أنها بمعنى أنشأكم من الأرض لكى تعمروها بنشاطكم فى بناء ما تحتاجون إليه من مساكن، وزراعة ما تأكلونه من نبات، وما يجرى هذا المجرى، وإنما رجحنا ذلك بدلالة القرآن نفسه إذ ورد فى سياق نفس القصة، ولكن فى سورة أخرى كلام النبى صالح بألفاظ أخرى هى "وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً" والقرآن يفسر بعضه بعضا.
وهذه الآية على هذا التأويل قد أوجزت النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهى النظرية التى فصلتها عشرات النصوص القرآنية والنبوية الأخرى.
فأول شروط الإعمار هو الحفاظ على الموارد الأساسية التى فى بقاؤها بقاء الجنس البشرى – المعمر -، وإمكانية استمراره فى أداء رسالته، وقد نبه القرآن على هذا الشرط على ما سنبين.
تنبيه القرآن على أهمية الموارد الاقتصادية، وضرورة الحفاظ عليها:
يذكر الله – تعالى – فى كتابه بنى آدم بنعمه فى توفير الموارد الطبيعية، وتهيئتها للاستغلال البشرى، وتهيئة قدرات الإنسان البدنية والعقلية لاستغلالها فى نصوص موجزة وأخرى مفصلة، فمن النصوص الجامعة الموجزة قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً"
ومن النصوص التى عدد الله فيها بعض هباته تفصيليا "أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ {6} وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ {7} تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ {8} وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ {9} وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ {10} رِزْقاً لِّلْعِبَادِ"
ويقول: "‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ"
وينبه على نعمة المياه التى هى أصل الحياة بقوله: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ"
ويقول: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ"
وأمثال ذلك كثير فى كتاب الله وينبه القرآن كذلك على تهيئة الإنسان للاستفادة من هذه الموارد: "وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ"
ولكن القرآن ما اكتفى بذلك، وإنما نبه على التوازن الدقيق الذى خلقه فى البيئة فيقول: "وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"
ويقول: "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً {25} أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً"
والعمل على تدمير هذا التوازن هو من عمل الشيطان، لأنه داخل فى تغيير خلق الله، وهو محرم، ومن جملة ما يريده الشيطان من ابن آدم فيقول متوعدا البشر كما جاء فى سورة النساء "وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ"
والقرآن يحذر من الإسراف فى استغلال الموارد والثروات الطبيعية فى عدة مواضع منها قوله تعالى "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ"
ويقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ"
والإسراف من ضمن معانى الاعتداء المنهى عنه هنا، يدل على ذلك نهى النبى () عن الاعتداء فى الوضوء أى الإسراف فيه فسمى () الإسراف اعتداء، وهو النهى الذى ورد فى حديث آخر فى التنبيه على عدم الإسراف "ولو كنت على نهر جار" مما يدل على حرص الإسلام على إرشاد أتباعه لاستخدام الموارد الطبيعية بالرشادة اللازمة.
الإشارة القرآنية للأنشطة الاقتصادية المختلفة
وثانى شروط الإعمار هو العمل على استثمار هذه الموارد بما يعود بالنفع على الإنسان نفسه, وأهله, وذوى رحمه, وجيرانه, وأمته, والإنسانية جميعا, وذلك من خلال النشاط الاقتصادي الهادف الى خلق المنافع مثل الزراعة, وتربية الحيوانات, والصيد, والصناعة, أو النشاط الهادف المتبادل النافع للمصالح كالبيع, والإجارات, والمزارعة, والمضاربة, ونحو ذلك, وجميع هذه الأنشطة مباحة شرعا وممارستها فى إجمالها فرض كفاية كما أوضح المحققون من العلماء, فإذا نهض بكل صناعة, ومهنة من يكفون الناس حاجتهم لها سقط الفرض عن الباقيين, و إلا أتموا جميعا, ثم هى بعد الإتيان بحد الكفاية مندوب إليها فى حق كل مكلف مستطيع, إذ فى ذلك إعفاف النفس, والتوصل الى القيام بالقربات من زكاة وصدقات ونفع للناس, وقد نبه القرآن على مختلف الأنشطة الاقتصادية بما يفيد إباحتها, وينوه بنفعها, ففى الزراعة يقول الله تعالى:-
" وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {141}"
وفى ذكر الرعى يقول تعالى:
" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ {72} وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ {73}"
ويقول: " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ {10}"
ويقول فى الصيد:
" أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً"
ويقول:
" وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ "
ويقول فى الصناعة"
" وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ"
وفى هذه الآية تنبيه على أهمية الصناعة لأن السلاح, والآلات التى تنفع الناس لا تكون من الحديد إلا بتحويل صناعى, والحديد نفسه لا يوجد فى الأرض على هيئة صالحة للاستخدام فى أغراضه, وإنما يوجد على هيئة خام هش لا نفع فى ذاته, وإنما يستخرج منه الحديد بعملية صناعية كذلك.
ويقول فى البيع:
"وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ"
ويقول فى الإجارات على لسان العبد الصالح لموسى:- "على أن تأجرنى ثمانى حجج"
وكل هذه الأنشطة متساوية فى حلها, وإباحتها, وكذلك غيرها مما يستحدث مع تقدم الحضارة, وإنما يفضل نشاط نشاطا بما يحققه من فائدة, ونفع للناس, لذلك رجح الإمام محمد بن الحسن فى كتابه "الكسب" تفضيل الزراعة عن التجارة, لأن بها قوام الناس, وحياتهم أما التجارة فهى وإن كان فيها تنمية مال الأمة إلا أنها لا تنتج سلعة فى ذاتها, وقد ندب النبى (ص) الى الزراعة كما لم يندب لأى نشاط اقتصادى آخر, فقال (ص):-
" ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة, وما سرق منه له صدقة, وما أكل السبع منه فهو له صدقه, وما أكلت الطير فهو له صدقة, ولا يزورؤه أحد إلا كان له صدقة"
وفى الحديث دلالة على أن ثواب الصدقة لا يناله الزارع عما يطعم الحيوان العاشب من النبات المزروع بشكل مباشر, وإنما أيضا إذا صار هذا الحيوان فريسة لحيوان مفترس, فإن فى ذلك صدقة للزارع, وذلك يفهم من قوله "وما أكل السبع منه فهو له صدقة" والسبع لا يأكل النباتات لأنه لفظ يطلق فى اللغة على الأسد حقيقة, وعلى كل حيوان لاحم مجازا, ولا يطلق على العاشبات لا حقيقة لا حقيقية ولا مجازا.
هذا وقد حرص النبى (ص) على الندب الى إحياء الأرض غير المنزرعة فقال:- "من أحيى أرضا مواتا فهى له" وسواء كان ذلك من شرطه إذن الحاكم, أم ليس من شرطه على الخلاف المعروف فى المسألة إلا أن وجه الدلالة فى الحديث على ما ذكرتا ثابتة.
ونحن نتفق مع الإمام الشيبانى فيما ذهب إليه من أن الزراعة أفضل من التجارة فى المجمل, إلا أننا نؤكد أن ذلك قد يتغير باختلاف ظروف الزمان والمكان, ففى بلد ذات أرض بور, وموارد مائية محدودة وعدد سكان قليل, لكنها ذات موقع متميز على طرق التجارة قد تكون التجارة أكثر نفعا للسكان المحليين من زراعة أرض خبيثة لا تخرج ألا نكدا, وبصفة عامة وفإن تحديد المناسب من الأنشطة الاقتصادية فى كل بلد من البلدان خاضع لرأى الاقتصاديين والسياسيين بالدرجة الأولى, وهو من باب:- "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
غير أن بعض قليلى الفقه ممن لهم علم بألفاظ الحديث دون معاينها قد ظنوا أن الزراعة مكروهة لحديث التجارى عن النبى (ص) أنه دخل بيتا فيه آلة زرع فقال:- "ما دخل هذا على أهل بيت إلا أيتلاهم الله بالذل".
وما ذكرنا سابقا من صحيح النصوص يدفع الظن بأن المراد من حديث النبى (ص) الأخير النهى عن الزراعة على وجه التحريم أو على وجه الكراهه, والمعلوم الى حد التواتر بين أهل العلم بالسنة والسيرة أن الزراعة كانت المهنة الأساسية للأنصار – السكان الأصليين للمدينة – زمن النبى (ص), وقد مارسها بحضرته عدد من أكابر الصحابة, والنبى (ص) كانت نفقته فى آخر حياته من أرض فدك وسهمه بخيبر, وذلك بدفع أن تكون الزراعة منهيا عنها فى الشرع بأى معنى لأن النبى (ص) لا يأكل إلا طيبا, وقد قال:- "أنا أتقاكم لله".
وحديث البخارى الذى ذكرناه هو فى التفسير الراجح عندنا من باب قوله (ص):- "الولد مبخلة مجبنة" وما قصد به النبى (ص) الحكم بكراهية طلب الأولاد, وإنما قصد التنبيه على بعض ما قد يدفع إليه حسب الولد من مساوئ الأخلاق حتى يتم تجنبها, كذلك ينبه النبى (ص) على ما قد يؤدى إليه الانشغال فى الزراعة من السقوط فى مواطن الذل حتى يتجنب ذلك أهل الزراعة, فأهل الزراعة من أكثر الناس تعاملا بمعاملات قد يكون عاقبتها الغرم, وما يسببه من مذلة مثل بيع السلمر, فقد يتلف المحصول ولا يستطيع المزارع الوفاء بالتزاماته المادية, ولذلك نبه النبى (ص) المزارع لكى يحرص عند التعامل بهكذا عقود, ونبه المجتمع على ضرورة إيجاد الوسائل التى تحمى المزارعين من ضلع الدين.
ومن ذلك أيضا أن انشغال المزارعين بأعمال الحقول, وما تحتاجه من رعاية وخدمة يصرفهم عن الاهتمام بالجهاد والاستعداد له, ويخبرنا التاريخ أن أهل مصر وكثرتهم الساحقة كانت من المزارعين استقبلوا أمر محمد على باشا بالتجنيد الاجبارى للشباب بالحمق, ومحاولة التهرب ما استطاعوا لذلك سبيلا بسبب احتياج الأرض لمن يزرعها, لذلك نبه النبى (ص) أن العمل بالزراعة لا يجب ألا يشغلهم عن الاستعداد للجهاد لأنه "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" كما أوضح النبى (ص) فى حديث آخر, وهذا التأويل الأخير الذى رجحه الإمام الشيبانى فى كتابه عن الكسب, ورجحه أكثر شراح الحديث, وقد بين الإمام أنه إذا اشتغل البعض بالزراعة والبعض بالجهاد كان فى عمل المزارع معاونة للمجاهد, وفى جهاد المجاهد حماية المزارع وأرضه, وهذا من صور التعاون بين أبناء الأمة على البر والتقوى.
بقى أن نذكر أن الإسلام لم يحث الناس على ممارسة الأنشطة الاقتصادية بوسائل الندب المباشر فقط, بل من خلال ندبهم إلى ما ينفعهم للعمل والاكتساب, وترك الكسل والخمول, نحث على الزواج, وطلب الأولاد, ولما كان الإنفاق على الأهل والأولاد, وعدم تركهم فريسة للحاجة من الغرائز النفسية, والأوامر الشرعية, والأحكام القضائية كان فى الحث على الزواج وطلب الولد أكبر حافز يدفع الكسول الى العمل الجاد, وقد لا يستجيب من كان فى طبعه خمول إلى الأمر المباشر بالعمل لما في ذلك من تعب, ومشقه, لكنه قد يستجيب للأمر بالنكاح لما فيه فى أول الأمر من متعة وشهوة, وبعد ذلك تدفعه الالتزامات العائلية للسير فى درب العمل, وما كان ليسلكه لولا ذلك, وذلك من حقائق الحكمة الإلهية فى التشريع الإسلامى, وفيها خير دليل على صدوره عن السميع العليم الخبير, والندب للزواج والإنجاب معروف مشهور, من ذلك ما أخبر به النبى (ص) أن النكاح سنته فقال:- "أما أنا فأصوم وأصلى وأفطر, وأقوم وأرقد, وأنكح النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى" وقال (ص):- "تناكحوا تناسلوا فإنى مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"
لذلك كان الزواج عند أكثر أهل العلم أفضل من التخلى للعبادة خلافا للشافعى.
غير أن الناس فى ضربهم فى الأرض واستثمارهم مواردها, وثرواتها التى سخرها الله لهم لم يتركوا سدى, بل وضع الشرع لهم ضوابط تضمن ألا يعتدى بعضهم بعض, ولا يظلم بعضهم بعضا, ذلك أن شهوة الإنسان مطبوعة على حسب الإزدياد من الثروات, يقول تعالى:-
" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ"
وقد ركب الله هذه الشهوات فى الإنسان لضرورتها فى بقاء النسل, وتطور الحضارة إلا أنها لو تركت لحال سبيلها لدفعت الناس إلى أن يبغى بعضهم على بعض, ويورث ذلك بعضهم عداء لبعضهم وأحقادا, فينال جزء منهم أولا شر لتعرضهم للظلم والاستغلال من الأقوياء, ثم ينال الناس جميعا شر لاحق سببه رد فعل هؤلاء المظلومين, وسعيهم للانتقام, فيقع الشر بين الناس, وتتردى الحضارة, من هنا تتضح أهمية هذه الضوابط, وهى أنها ضمانة لاستمرار دور الإنسان فى إعمار الأرض بنجاح.
ضوابط للنشاط الإقتصادى فى الشريعة الإسلامية
تهدف هذه الضوابط إلى ضمان تأسيس النشاط الاقتصادى على مبدأ العمل, ويجمعها قول الله تعالى:- " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
وكل المحرمات الشرعية فى أبواب المعاملات الإقتصادية تفصيل لهذا الباطل
ولكن يجب أن تشيره أولا أن منع الآية أكل مال المؤمنين بالباطل لا يعنى أن مال غير المسلمين مباح على هذا الوجه, فهذا وجه فاسد من التأويل ما صدر عن أحد من أهل العلم والتفسير, وإنما ننبه لذلك لأنه قد يتبادر إلى ذهن من لا علم له بقواعد التفسير, وأصول الفقه, وإنما لمال غير المسلم حرمته إلا أن يكون محاربا, فيحل ماله على سبيل الغنيمة التى أحلها الله لهذه الأمة فى الحروب, وقد قال الله تعالى:-" إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"
فكل أكل للمال بالباطل فاحشة محرمة فى ذاتها دون النظر لصاحب المال المأكول.
وقال النبى (ص):- " من ظلم ذميا, أو أنتقصه حقه, أو حمله فوق ما يطيق, أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة"
وإنما خص النبى (ص) أموال المؤمنين بالذكر فى الآية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
لأن المسلمين هم غالبية سكان البلد المسلم, وأموالهم أغلب الأموال فخرج الغالب مخرج الكل فى هذه الآية, وهو مسلك معروف فى النصوص الإسلامية مثل قول النبى (ص) فى زكاة الابل:- وفى خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين"
فأراد ببنت المخاض الناقة التى أكملت عامها الأول، ودخلت فى الثانى، وبنت اللبون التى أكملت عامها الثانى ودخلت فى الثالث، وليس شرطا أن يكون بأم الأولى مخاض، أو بأم الثانية لبن، ولكن لما كان الغالب أن يكون ذلك، فقد أطلق العرب هذين الاسمين على الإبل فى عامها الثانى والثالث.
ونحن إذا فحصنا جميع الممارسات والمعاملات المادية التى جاءت الشريعة بالنهى عنها وجدناها تنحصر فى ثلاثة أمور:
1- المعاملات الربوية، والتى هذه ذريعة للربا.
2- المعاملات المحرمة لشبهة الغبن، وهى على أنواع:
أ- ما يكون الغبن فيه من جهة الغرر.
ب- ما يكون الغبن فيه من جهة الضرر.
ج- ما يكون الغبن فيه من جهة المخاطرة.
د- ما يكون الغبن فيه من جهة الشروط الفاسدة.
3- المعاملات المحرمة لسبب فى السلعة نفسها.
ونحن مدينون بأصل هذا التقسيم لفيلسوف الفقهاء ابن رشد الحقيد، وذلك فى كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد و إن كنا أدخلنا عليه تعديلا واضحا.

الجمعة، 20 يوليو 2012

التوفيق بين التفكير العقلي و الإيمان: دراسة تراثية


و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"
وردت هذه الآية في معرض تعداد نعم الله تعالى على الإنسان، لبيان حق الله على الناس و دعوتهم للاعتراف بفضله، و مقابلتها بالشكر و العبادة، و مثلها في القرآن من هذه الناحية "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار و الأفئدة قليلا ما تشكرون"، وهي من جانب آخر توضح حكمة الخالق عز و جل ، فهو لما أراد أن يخلق إنسانا واعيا ، فقد أمده بآلات الإدراك ، والوعي، وهي الحواس الخمس التي يدرك بها العالم،و قد نبه الله بحاستي السمع والبصر على غيرهما لأن أهميتهما في تحقق العلم أكبر بكثير من غيرهما من الحواس، والأفئدة التي يعي بها معنى ما جمعته هذه الحواس من معلومات، و الأفئدة في القرآن تأتي غالبا بمعنى العقل ، و ذلك على عادة العرب في الكناية عن العقول بالقلوب.
كيفية الشكر على هذه النعم:
و إن من أول ما يشكر به الإنسان ربه على نعمة الحواس، والعقول هو أن يحسن استخدامها كما ينبغي من مخلوق عاقل واع ، فسائر الحيوانات لها أسماع قد تكون أرهف من سمع الإنسان بكثير، و لها أبصار قد تكون أحد من بصر الإنسان عدة مرات، و كذلك في سائر الحواس فقد يكون لها شم أقوى ، و حاسة لمس أكثر حساسية بكثير، لكن عقلها لا يستخدم هذه المعلومات إلا فيما جبلت عليه غرائزها من بحث عن طعام، أو جماع، أو هرب من الضواري، و الأعداء، فمن قنع من استخدام عقله بهذا الحد فقد احتقر نعمة الله عليه الذي جعل له عقلا أكثر تطورا بكثير، لذلك فإنه أسوأ من البهائم فالبهائم تستغل قدراتها الذهنية حتى حدها الأقصى، أما من كان على هذه الصفة من البشر ، فقد أهدر طاقة كبرى و نعمة عظمى تفضل بها عليه الله الكريم ، فهو أضل من الأنعام "لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"
فللعقل البشري قدرات متقدمة جدا مقارنة بسائر الأنواع تمكنه من تحليل البيانات التي تجمعها الحواس المختلفة والربط بينها للخروج بنظريات تفسيرية لها، و ليس مجرد إدراك حدوثها ، كما أن للعقل قدرة على إدراك حقائق مجردة تقبلها الأفهام جميعا كمفاهيم عقلية لا تحتمل الخطأ (ككون الإثنين أكثر من الواحد) و كون الشيء أكبر من أجزائه، و نحو ذلك من المفاهيم الأولية التي لا يجادل في صحتها إلا ممار رغم عدم وجود برهان عليها ، فبرهانها الوحيد عدم تصور العقل غيرها، وهي التي تسمى البديهيات أو المفاهيم القبلية، وعلى خبرات الحواس تأسس الجانب من العلم المسمى بالعلم التجريبي، و من خلال الاستدلال المؤسس على البديهيات تشكل العلم المسمى بالبحت، وهو المنطق و الرياضيات و الفيزياء النظرية، وكلاهما رافدان مهمان لفهم العالم.. فحصول العلم -إذن- نتاج هذه الآلات التي تنتجه ، وهي الحواس و العقل ، فعلم الإنسان ليس علما اضطراريا إلهاميا أي يجعله الله بالقوة في النفس ، بل قد صرح القرآن في الآية الكريمة محل الدراسة أن الإنسان خلق لا يعلم شيئا من العلوم، وإنما هيأت له الآلات التي يحصل بها العلم.

الكلام واللغة، و دورهما في تحقق العلم:
لكن الإنسان الفرد لا يستطيع أن يبدأ في تحصيل كل العلوم من الصفر، وإلا ما تجاوزت الحضارة طور طفولتها المضحكة، فعمر الإنسان قصير جدا، لذلك كان هناك ضرورة لأن يحصل الإنسان ما عرفه البشر من قبله حتى يستفيد منه، ويبني عليه، وقد مكن الله للبشر اللغة و الكلام لكي يتمكنوا من تناقل الخبرة، و المعارف، والقرآن الكريم ينبهنا لأن نحصل العلم ممن يغلب الظن بكونهم من أهل العلم "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" كي تكون المعلومة موثوقة، و أهل الذكر سمتهم الآية بذلك كونهم المذكورين في الناس بالعلم المشتهرين بالخبرة في المسألة والإلمام بها، و القرآن ينبه المسلم للتعامل بحذر مع مصادر معلوماته "يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" ، أما المصادر التي يغلب احتمال الكذب عليها، فالقرآن ينهانا عن مجرد النقل عنها مثل حديث المنافقين بالإفك عن عائشة أم المؤمنين يقول الله فيه :"و لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم" ووفقا لهذا الهدي ،فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) يحذر "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع" ، أما المعرفة التي نحصل عليها ممن نعتقد كونهم من أهل الذكر ،فإننا يمكن أن نسلك تجاهها طريق الاعتناق الأعمى، وهو أسلوب المقلدين ، أو طريق النقل والتمحيص،و معرفة أدلة الأقوال ، وبراهين النظريات، و إخضاعها للاختبار بواسطة آلة العقل و آلياته وهو أسلوب المحققين، و الأول أسلوب مذموم في كتاب الله الذي أكثر من توضيح دوافع التقليد الأعمى، و استكارها، فيقول الله -سبحانه و تعالى- في سورة القمر: “ و كذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر" فقد يكون التقليد سببه الكسل العقلي ، والميل لاتباع الآراء الشائعة الرائجة المستقرة دون إعادة تفكير فيها، و قد يكون للشخص مصلحة متحققة في انتشار فكرة ما أو اعتناق الناس لعقيدة أو نظرية معينة ، لأن ذلك يحقق له مزية اجتماعية معينة أو مكسبا ماديا ، فيضله هواه عن البحث عن الحق، و إن جاء أمام عينيه فإنه لا يراه لأن الهوى قد غشاها، و إن علم من براهين قاطعة على صحة ما يعارض هواه فإن سمعه لا ينصت لها و عقله لا يتأملها، فينكر ما يعلم أنه لا وجه لإنكاره في العقل، و يحاجج عما يدرك بينه و بين نفسه هوان حجته ، و في ذلك يقول الله عز و جل " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه وجعل على بصره غشاوة"، وقد يكون السبب المبالغة في احترام القديم، و اتباع سنة الآباء و آثارهم ، و إن كانوا مخطئين، و من ذلك قول قوم إبراهيم الذي أنكره الله تعالى عليهم في كتابه عندما سألهم خليل الله عن حجتهم في عبادة الأصنام "ٌقالوا وجدنا آباءنا لها عابدين"، و قد يكون السبب غرور الإنسان بما يعرفه، فهو يظن معارفه التي نشأ عليها الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، و معتقداته اليقين الذي لا يقبل الشك ، و هذا من الكبر ، يقول الله عن هؤلاء "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" ، أما أهل النقد و التحقيق، فهم يأخذون أنفسهم بالتثبت من المقولات، و وضعها موضع الاختبار حتى يتضح صحيحها من زائفها، فلا يدفعهم مجرد شيوع الفكرة، أو اعتناق الآباء والسادات لها إلى تصور أنها الحق، فكم من فكرة شائعة اتضح خطؤها ، مثل أن الشمس تدور حول الأرض، و كم من فكرة اعتنقها الآباء وهي بالية تافهة، وكم من سيد دافع عن استقرار عقيدة، أو نظرية رائجة لأن فيها استمرار سيادته، ,و هذا مسلك يؤيده القرآن الكريم، يقول الله -تعالى-: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" يمدحهم، ولا يعرف حسن القول من سيئه إلا بإعمال الفكر فيه نقدا و تمحيصا، و لقد أنكر القرآن الكريم إطلاق الآراء من غير دليل "اءتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين"، ذلك في معرض استكاره على مشركي العرب ما اتخذوه من أصنام ليس لديهم عليها حجة من كتاب نبي قامت الحجة بنبوته، أو بقية من علم و استدلال عقلي، وربما فهم بعض الناس من المسلمين ، وغيرهم من مدح القرآن للموقنين بالغيب، و ذمه الذين ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون أن الإسلام لا يرحب بالعقل النقدي الذي لا يقبل الفكرة بغير أن يعرضها للاختبار، و من دون أن تقوم عليها البراهيين النظرية أو التجريبية، و ربما أسرفوا في مذمة العقل ، والتنويه بعجزه ، وقابليته للخطأ، و محدودية حدوده، ومع تسليمنا بذلك فإن العقل يظل الوسيلة الوحيدة لمعرفة الصواب من الخطأ على أساس موضوعي، فمن غير العقل لا يبقى سوى الحدس و الإيمان المبني على العاطفة، ونحو ذلك من وسائل يكون معها الصواب والخطأ معاني شخصية ، وتكون معها كل فكرة أو عقيدة أو نظرية صحيحة و حقا ، و في ذلك إبطال للدين و الشرع ، والقانون ، بل لمباديء الأخلاق ، و قواعد الاجتماع، وهو خطر على الحضارة البشرية ذاتها ، وهو خطر قديم ظهر مع السوفسطائيين الإغريق تصدى له المحققين من الحكماء.
معنى اليقين
إن اليقين في القرآن ليس مفهوما دوجمائيا ، يطرح كمجرد التعصب لآراء قاطعة لا تحتمل النقاش، بل هو المرحلة الأخيرة من رحلة فكرية تبدأ من النظر في الدلائل، و إدراكها بالحواس، ثم تدبرها والتفكر فيها ، ثم النظر في الشبهات، و المزاعم التي تعارض العقيدة ، وإدراك أوجه سقوطها ونواحي القصور فيها، فيتحقق في القلب الاطمئنان التام إلى صحة ما يعتنقه الإنسان ، هو النتاج النهائي لخبرة طويلة تبدأ بالنظر في آيات الكون "إن في خلق السماوات والليل، واختلاف الليل ، والنهار لآيات لأولي الألباب"
و في التعرف على النظام الدقيق الذي يحكم الكون مترامي الأطراف الذي لا تدرك أبعاده العقول:تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا"
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار كل في فلك يسبحون"
او في تدبير أسباب الحياة على الأرض:
و آية لهم الأرض الميتة أحييناها و أخرجنا منه حبا فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل و أعناب و فجرنا فيها من العيون"
أو في التنوع البشري والحيواني والنباتي البيئي الهائل على سطح كوكبنا:
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ، ومن الجبال جدد بيض و حمر مختلف ألوانها كذلك وغرابيب سود ، ومن الناس والدواب و الأنعام مختلف ألوانه كذلك"
أو في خلق الإنسان نفسه و تكوينه من ماء مهين في قرار مكين
ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون"
أو في تدبير الحياة الاجتماعية للبشر:
وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"
أو في التوازي بين الحياة و الموت الذي يجعل الأرض قادرة على تحمل الحياة على سطحها:
ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا"
فمن تأمل ذلك يدرك أنه لا يمكن أن يكون من تلقاء نفسه، وأن وراءه خالقا حكيما، فإذا علم ذلك علم أن هذا الخالق محال أن يكون خلق ذلك لغاية الفناء، وإلا كان عبثا محالا على خالق حكيم ، يقول الله تعالى:
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين"
و علم أن من حكمته ألا يخلق البشر على ما هم عليه من عقل و قدرة على اكتساب الحسن والقبيح من الأعمال ، ثم تكون نهاية المحسن والمسيء واحدة إلى الموت والفناء
أفحسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون"
فإذا تدبر ذلك و أضرابه من دلائل الإيمان ازداد إيمانه شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى اليقين.
هل يمكن التوفيق بين العقل النقدي و الإيمان؟
إن المسلمين اليوم يستهلكون أحدث منتجات الحضارة الحديثة، فبين أيديهم آخر موديلات الهواتف الذكية، و الحواسيب القوية الأداء،و في منازلهم شاشات LED ثلاثية الأبعاد، و في شوارعهم أقوى السيارات محركا ، وأكثرها رفاهية، لكنهم-مع ذلك- عاجزين عن المشاركة في الإنتاج الحضاري بقدر يتناسب مع نسبتهم من سكان العالم ، أو قيمة حضارتهم في تاريخ الحضارات، و ذلك لأن الإنجاز الحضاري لا يصنعه تكديس الأشياء التكنولوجية،و لكن تصنعه العقول المبدعة المتفكرة التي تنفذ ببصيرتها إلى ما لا يراه الآخرون، و لا تقبل من التفسيرات و النظريات ما هو مستقر شائع، و لا يقبل من الحلول بالقريب المتداول ، هذه هي العقول النقدية كما تسمى في الفلسفة الحديثة، إذ أن حضارة الغرب لم تكن نتيجة اختراع آلة البخار بل نتاج تطور العقل النقدي الأوربي منذ ديكارد، هذا العقل الذي اخترع آلة البخار ثم لم يقنع بإمكانياتها فطور محرك الاحتراق الداخلي، ثم المحرك الكهربائي، و لم يقنع بالراديو فاخترع التلفزيون ثم طوره إلى ما نرى، وهو العقل الذي لم يقنع بنظرية نيوتن رغم نجاحها الكبير في تفسير العديد من الظواهر الطبيعية لعجزها عن تفسير نتيجة تجربة واحدة، فأخرج النظرية النسبية ، وميكانيكا الكم و سائر انتاج القيزياء الحديثة.
إلا أن العقل الغربي الحديث قد تأسس تيار التفكير الرئيس فيه على إخراج الأفكار الدينية، والماورائية بصفة عامة من دائرة العلم بزعم إستحالة إقامة دليل موضوعي عليها، وقصر قضايا العلم على ما يمكن إثباته اعتمادا على الأدلة التجريبية والرياضية،ومحاولة تأسيس علوم اجتماعية وإنسانية على مناهج تجريبية، وهي المدرسة التي تعرف في تاريخ الفكر بالوضعية (أو الإمبريقية)، و هؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى في صورة الروم:”يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" و الوضعية هي المعادل الفلسفي للعلمانية السياسية، و الفكرتان سادتا أوروبا أثناء عصر الأنوار ، و هما من الركائز الخمسة الأساسية لحداثة الغرب.
و في هذا السياق حاول علماء الغرب تقديم نموذج تفسيري لنشأة الكون و الحياة وتطورهما يقدم بديلا للأفكار الدينية عن وجود خالق للكون، و يقدم هذا النموذج باعتباره علميا ، و يصور نشأة الكون ثم ظهور الحياة على الأرض كسلسلة من الأحداث الفيزيقية، والتفاعلات الكيميائية تحكمها الصدف السعيدة، فكل الأنواع تطورت من بعضها البعض بفعل النشوء والارتقاء، و أصلها يعود لحيوان أحادي الخلية ، وهذا الحيوان وحيد الخلية نشأ من تفاعلات بيوكيميائية يقودها جزيء مركزي من الأحماض النووية نشأ بفعل صدفة سعيدة تهيأت من توافر عناصره الأساسية في بيئة محفزة ، وذلك في أزمان بعيدة من عمر كوكبنا الذي تكون هو وغيره بفعل تكاثف مكوناته من الشوارد الهائمة في الكون الذي نشأ على صورته الحالية بفعل عدد هائل من الأحداث ترجع جميعها إلى حدث قديم جدا يسمونه الانفجار العظيم،و هو الذي ابتدأ نشأة الكون، و هذه النظرية كما هو واضح تحاول أن تخفي سؤال "من" في كثير من التفاصيل التي تدور حول كيف ، كمن تسأله عمن شيد هذه البناية الفارهة، و لأن بينه و بين مشيدها عداوة أو جفاء يقول لك يقومون أولا بحفر الأرض ، ثم عمل شبكة من حديد التسليح في أرضية الحفرة تصب عليها الخرسانة ، وتترك لتجف،فيكون أصل الأساس قد تكون ثم ترفع الأعمدة بتشبيك الحديد المكون لها مع حديد الأساس و إحاطته بالخشب على شكل العمود ثم تصب الخرسانة داخل الخشب بعد ذلك ينصب سقف خشبي بين الأعمدة و يمد فوقه حديد تسليح السقف ثم تصب الخرسانة و بعد ذلك يرفع الخشب ، وتبنى الحوائط بالطوب ، بينما أنت لا تسأل عن ذلك ، و إنما عن المهندس الذي صمم البناء ، و خطط خطوات التنفيذ وفق جدول محدد سلفا، وتابع تحققها خطوة بخطوة في الموعد المناسب تماما وفقا لخطته المسبق فضلا عن أن التصور بأن كل خطوة من خطوات الخلق نشأت بفعل الصدفة يفتقد للقدرة على الإقناع فمن الممكن للصدف أن تفعل فعلها عشر مرات لا ملايين المرات.
في المقابل نجد أن حضارتنا االإسلامية في نماذجها الممتازة زمن ازدهارها استطاعت انتاج عقل نقدي لا يرفض الدين، بل يجعل العقل برهانا للإيمان، ومن الإيمان نورا للعقل، فقد طور المسلمون منهجا في نقد الروايات ، و التحقق من صحتها لم تعرفه الأمم من قبل، لذلك يختلط في تراث الأمم الواقع الحقيقي بالأسطورة بالحكاية الشعبية، ويتعذر التمييز بين ذلك كله، لكن المنهج النقدي الذي طوره المسلمون أتاح التمييز بين ذلك بدرجة عالية من الدقة، باتباع آلية محددة تمكن من تصنيف الروايات إلى ما يحمل درجة عالية من الموثوقية و هو الخبر الصحيح، وما هو مقطوع بخطئه و هو الموضوع ، وبينهما درجات على سلم الموثوقية، و قد بدأ تطوير هذا المنهج منذ فترة مبكرة جدا من تاريخ المسلمين، فعبد الله بن المبارك و هو من جيل التابعين عاش في نهاية المائة الهجرية الأولى وبداية المائة الثانية يقول: “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء بما شاء".. فإذا كان شخص صادق ضابط لما يحفظ قد حدث بأن شيئا ما حدث لم يعاينه، أو أن شخصا ما تحدث بكذا و هو لم يلقه، فإن خبره لا يقبل إلا إذا أسند هذا القول إلى من عاين الحدث أو سمع مباشرة من المصدر الأصلي، و إلا وجب أن يخبرنا ممن أخذ هذا الشخص الذي ينق عنه هذه الرواية، وهكذا حتى نصل إلى المعاين للحادثة أو المتحدث الأصلي بالكلام، فإذا أسند فقد أحالك، فوجب أن يتم التأكد من أن كل الرواة على طول سلسلة الإسناد قد سمعوا من بعضهم البعض، و أن كل واحد منهم عدل مأمون من الشهادة الزور و اقتراف الكذب، ضابط حافظ لما يرويه لكي يقل احتمال خطئه في روايته، فإذا نقل أحدهم خبرا عن راو حديثا لم يروه عنه غيره ممن يرون عن نفس الشخص ما يحدث به من أخبار ، فإن هذا الخبر يسمى غريبا ، و هي درجة تقلل قليلا من موثوقية الخبر، فإذا كانت هذه الرواية تعارض ما يرويه أكثر الرواة عن نفس المصدر فإن هذه الرواية تسمى شاذة، فمن كثر من الرواة غريبه و شواذه تركوه لأن ذلك مظنة الكذب، أو الوهم الشديد في الأخبار، و بعد أن ينتهي أهل الرواية من البحث في الأسانيد يبدأ أهل الدراية في نقد مضمون الخبر نفسه، و هو المتن في مصطلحهم، فإن كان خبرا تاريخيا عرضوه على ما اشتهر و تواتر من الروايات المتعلقة بالحادثة التاريخية، فإن كان متوافقا معها قبلوه ، و إلا تشككوا فيه، و إن كان صحيح السند، مثلما تشكك ابن القيم في رواية مسلم أن أبا سفيان سأل النبي (ص) بعد إسلامه ثلاثة أمور من بينها الزواج بابنته أم حبيبة ، وأن النبي (ص) قد أجابه إلى اثنين منها هذا الزواج، لأن المشهور الواصل لدرجة التواتر بين أهل العلم بالسيرة النبوية يؤكد أن النبي (ص) تزوج بأم حبيبة بعد عودتها من الحبشة قبل فتح مكة ، وأن إسلام أبي سفيان كان يوم الفتح نفسه، فقد كانت أم حبيبة زوج النبي (ص) بالفعل يوم أن أسلم أبو سفيان ، فإن كان الخبر في الأحكام عرضوه على ما هو أشهر منه و أصح و ما هو متواتر من قرآن وسنة فإن كان وافق ذلك فقد تعزز به، وإن خالفه فإن كان له تأويل يجيز الجمع بين الأدلة تتحمله اللغة وسياق الكلام ذهبوا إليه ، وإلا ردوا الخبر المخالف و إن كان صحيح الإسناد مثلما أجمعوا على رد حديث النبي (ص) في الأمر بقتل شارب الخمر في رابع مرة بترك الصحابة و من بعدهم العمل بذلك فكان في تركهم جميعا ذلك مع علمنا أنهم لا يخالفون عن أمر النبي (ص) دليل يدفع في الشك في هذه الرواية من جهة المتن لا السند.
علم آخر نستطيع أن تلمس به معالم العقل النقدي المسلمين هو علم الكلام، فأكثر المتكلمين اعتبروا النظر العقلي أول الواجبات الشرعية حتى أنهم اختلفوا في صحة إيمان المقلد المطلق في مجال الاعتقاد، و قد عاب المتكلمون على طائفة من أهل الحديث اعتبارهم أن النص لا العقل هو الحجة في مجال العقيدة وكافة، و ردوا ذلك بأن النص لا يكون ذا حجة إلا إذا سلمنا بصحة مصدره الإلهي، و هذا لا يكون إلا إذا سلمنا بوجود الإله، و صفاته ، و إمكانية حدوث الرسالة، وصدق دعوى النبي (ص) في أنه رسول، وكل ذلك لا يعرف إلا بالعقل، حتى يكون للنص حجيته، ومن بعد ذلك يكون النص حجة في مسائل العقيدة التي لا يمكن أن تعرف إلا به مثل الملائكة، و صفة الجنة والنار ، ونحو ذلك، فدور النص في مجال إثبات وجود الله ، وصفاته ، وإثبات النبوة ، و صدق الرسول إنما هو إرشاد العقل إلى أدلة ذلك لا أن يكون النص في ذاته دليلا، وقد حدد المتكلمون الأسباب التي يحدث بها العلم فاعتبروا المحسوسات المباشرة التي تدركها الحواس ، و كذا البديهيات العقلية التي لا تتصور العقول غيرها معارف ضرورية أي أن معانيها تحدث في النفس بالقوة (أي من غير إعمال تفكير) ، ولا يجادل فيها إلا مكابر ، بينما اعتبروا المعارف التي تؤخذ بالاستنتاج من ملاحظات الحواس، أو بالقياس على بديهيات العقول معارف استدلالية، أما الأخبار المنقولة فإن كانت أخبارا متواترة أي تنقلها الجماعةالكبيرة الموثوقة التي لا يتصور اجتماعها على الكذب فإنها عندهم من قبيل العلم الضروري، أما إذا نقلها الآحاد فهي تفيد العلم بما يرتبط بها من القرآئن على صدق الناقل و علمه بما ينقل، فهي عندهم علما إستلالايا لذلك، ونلاحظ هنا أن المتكلمين اعتبروا كلا من الملاحظة، و العقل مصدرا للمعرفة، فلم يقع بينهم الصراع الذي وقع في الفكر الغربي بين المدرسة التجريبية، والمدرسة العقلانية، هذا على صعيد النظرية، أما في التطبيق، فقد صاغ المتكلمون أدلتهم على مسائلهم معتمدين طريق الدليل الاستدلالي العقلي، وقد أدخلهم هذا في خلاف مع مدرسة أخرى من المفكرين الذين يحترفون هذا الطريق، وهم الفلاسفة المنطقيون المتأثرون بفكر أرسطو الذي ترجم للعربية مع ما ترجمه المسلمون منذ بداية العصر العباسي و الذين يتبعون أيضا طريقة البرهان العقلي، و لكن طريقتهم في الاستدلال و نتائج براهينهم خالفت أسلوب المتكلمين و نتائجهم، ونحن نجد هذا الخلاف في أجلى صوره في المناظرة الشهيرة بين أبي حامد الغزالي مؤلف "تهافت الفلاسفة"، وبين ابن رشد الحفيد مؤلف "تهافت التهافت" ، فقد كفر أبو حامد الفلاسفة بسبب بعض آرائهم الميتافيزيقية، و لكن أهم ما في كتاب أبي حامد أنه تجاوز بسرعة المسألة التكفيرية، و قدم محاجة جدلية عقلانية موسعة لآراء الفلاسفة الميتافيزيقية، وقد رد ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت" على حجج أبي حامد، بينما أفرد كتابا آخر هو الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الأمة، لتفنيد قضية تكفير الفلاسفة، فأوضح أن مقولات المتكلمين لإثبات قضايا العقيدة هي مقولات محدثة لا تعتمد على أدلة القرآن و السنة، فبالتالي لا يمكن لمنكرها أن يوصف بالكفر،فليس في القرآن أو السنة حديث عن وصف العالم بالمحدث، ولا الله بالقديم، ولا أن الأعراض محدثة، ولا عن تكون الأجسام من الجوهر الفرد، و نحن نقرأ هذا الكلام ربما نجد قضايا لا تعني عالمنا المعاصر، ولا ترتبط بقضايا الفكر الحديث، لكننا أطلنا فيها لكي نؤكد أن المسلمين كانوا منفتحين جدا على منافشة القضايا العقائدية اعتمادا على معيار العقل، و أن التيار الذي يرفض النقاش العقلي لمسائل العقيدة ظل هامشيا حتى مرحلة متقدمة جدا من تاريخ المسلمين، لكن العقل الإسلامي لم يكن عقلا لاهوتيا لا يهتم بغير قضايا الإلهيات، فنحن نعرف جميعا الإسهام المهم الذي قدمه ابن خلدون -مثلا- في مقدمة تاريخه التي ناقش فيها قواعد تطور المجتمعات البشرية، و قوانين حركة التاريخ اعتمادا ، وهو ما غير مفهوم التأريخ من مجرد سرد للوقائع إلى محاولة تقديم نظرية لتفسير التاريخ، و أول محاولة للتعامل مع الاجتماعيات كعلوم لها قواعد و قوانين يمكن استباطها من ملاحظة الماضي والحاضر، ويمكن من خلالها التوقع للمستقبل أو محاولة تغييره، كما نعرف الإسهام الكبير للرياضيين المسلمين في تطوير الرياضيات من خلال تطوير علم الجبر الذي لا يزال يعرف باسمه العربي في اللغات العالمية، و إن أكبر دليل على تأثير المسلمين في العلوم الرياضية هي تخلي الغرب عن طريقة العد اللاتينية، واستخدامهم الأرقام العربية المغربية (1- 2- 3- 4- 5-...) بدلا منها ، ولا تزال تعرف بالأعداد العربية في مختلف اللغات، و يعرف المتخصصون الإسهام الكبير لنصر الدين الطوسي و تلاميذه في مرصد مراغة في نقد نموذج كون بطليموس و محاولتهم تاسيس نموذج لابطليموسي للكون،و قد اعتمد كوبرنيكوس صاحب نظرية دوران الأرض حول الشمس مباشرة على حسابات علماء مرصد مراغة في برهان نظريته، و ربما يكون إسهام العقل المسلم في العلوم التجريبية الأقل برغم ظهور عقول تجريبية رائدة مثل جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، لأنها تقوم على الأدوات المختبرية، و قد حدث تطور الأدوات الكبير بعد أن دخل العقل المسلم مرحلة الجمود ، ثم الانحطاط، و قد تحدث الكثيرون عن أسباب ذلك، وربما كانت معظم التفسيرات متأثرة بالأيدلوجيا أكثر من كونها محكومة بمنهج علمي تفسيري، ونحن لن نخوض في ذلك الآن، و إنما فقط نسرد بعض مظاهر ذلك الانحطاط، ففي عصر النهضة الفكرية للمسلمين وضع ابن جرير الطبري موسوعته التفسيرية الضخمة "جامع البيان في تأويل آي القرآن" ، و كما يبدو من اسمه حاول الكتاب جمع كل ما يتعلق بالتفسير من أحاديث، وآثار، وحتى حكايات شعبية، و أساطير مصدرها الاسرائيليات، وغيرها، وقد روى ابن جرير جل ذلك بأسانيد تمكن المحقق من تمييز المصدر الذي هو بحجة من ذلك الذي ليس بحجة، و تحديد الخبر الموثوق من ذلك المدسوس، لكن أغلب كتب التفسير بالمأثور التي وضعها المتأخرون، و جلها عالة على كتاب ابن جرير الطبري هذا، حذفت الأسانيد ، و توسعت في استخدام المرويات الإسرائيلية، و الحكايات الأسطورية في التفسير خاصة ما يتعلق بالقصص القرآني بدون نقد أو تمحيص، بل تروى ذلك باعتباره حقائق و تسرف في الإغراب، فنجدهم يقولون أن فرعون يوسف هو نفسه فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة ، وهي رواية لا دليل عليها من القرآن و السنة، وتتعارض مع رواية التوراة نفسها التي تصرح أن نكبة بني إسرائيل التي بعث موسى لإنقاذهم منها كانت في عهد فرعون آخر لا يعرف يوسف،فهي ليست حتى رواية إسرائيلية و إنما خرافية، و نجد بعضهم يقطع أن أم بلقيس ملكة سبأ التي ورد ذكر قصتها مع سليمان (عليه السلام) كانت جنية ، و نحو ذلك من أساطير تشوه القصص القرآني ، و تهوم في وجه مقاصده الدينية، والأخلاقية ، وتجعل منه حكايات للسمر كألف ليلة وليلة، أما كتب الفقه التي كتبها المتأخرون فقد خلت من الدليل الشرعي، و صارت متونا تذكر أقوال أصحاب المذاهب و كأنها موجبة للعمل بها في ذاتها، و تكفي المقارنة بين كتب أبي جعفر الطحاوي في الاحتجاج لمذهبه ، والتي تعتبر من مصادر السنة المشرفة،و أيضا مصنفات أبي بكر الرازي الجصاص و أبي بكر الخصاف، و كلها مملوءة بالأدلة الشرعية و الاستدلال بها على المسائل، وبين كتب متأخري الأحناف التي يقل فيها ورود دليل من كتاب أو سنة، وإن وجد ذلك في بعضها كالهداية و الاختيار كانت روايته بالمعنى ، و بدون إسناد ، وربما احتج لقول مذهبه بأضعف الأدلة عليه ، فأساء إلى أشياخ المذهب من حيث لا يدري ، و ما يقال في ذلك على كتب الأحناف يعمم على غيرها، أما كتب العقيدة ، فقد خلت من الاستدلال العقلي، وتحولت لما يشبه قوانين الإيمان تحفظ فيها مقولات أئمة المذهبين الأشعري و الماتريدي كأنها تتمة للقرآن. أما العلوم غير الدينية فقد توقف البحث فيها أو يكاد، حتى استيقظ المسلمون و قد صار الفارق بينهم وبين غيرهم شاسعا ، فلما انتبهوا لذلك حاولوا أن يدركوا ما فاتهم، و أعتقد بعضهم أن سبيل ذلك بتقليد الغرب في حداثته التي تتردد مظاهرها بين العداء للدين أو تركه في موضع جانبي كسلوك خاص ، و بين داع للعودة للتراث واستئناف النهضة من حيث انقطعت على أساس من قيم حضارتنا، لكن هذه الدعوة تباينت في فهمها لهذا التراث ، فهناك من التبست عليه الأمور ، و لم ير في التراث سوى بعض العقوبات الجنائية أو لحية أو جلباب، أو سروال قصير، و روج لذلك باعتباره منهاج السلف في زمان نهضتهم، ومنهم من اطلع على مقولات القدماء، فتبنى بعضها و تعصب له ، فلم نكسب من ذلك سوى إحياء عصبيات الماضي، و خلافاته، و مشكلاته لنضيفها إلى مشكلات الحاضر و خلافاته، و هناك من استوعب مقاصد الشريعة و مكارمها، و اطلع على مقولات القدماء ليتواصل مع القيم الإيجابية، و المفاهيم المركزية التي قادت الأمة لتحقيق إنجازها الحضاري في زمان نهضتها، و استطاع التمييز بين ما هو إنساني وقابل للإحياء و الاستفادة منه في كل زمان و مكان، وما هو تاريخي قد تجاوزه الزمان، وهؤلاء منذ رائدهم الكبير الإمام محمد عبده قد أدركوا قيمة العقل و احترامه سواء في نصوص الإسلام المقدسة ، أو في فهم رواد النهضة في زمن مجد المسلمين، و هؤلاء قد انقسموا إلة أهل فكر و تنظير ، و أهل دعوة و حركة ميدانية، و برغم ما وقع في الفريقان من أخطاء جسيمة عطلت مسيرتهم و برغم العثرات و العراقيل التي يضعها أمامهم خصومهم إلا أنهم لا يزالون الأمر الأكبر في النهوض بالأمة إذا تجاوزوا أخطاءهم، و كانت لهم من الاستعانة بالله والعزيمة ما يتجاوزون به العراقيل