الاثنين، 27 أغسطس 2012

تقريب التصوف..دراسة تأويلية (2)

إشكاليات في المنهاج الصوفي
فيما يلي نناقش عددا من القضايا التي تثير الالتباس حول المذهب الصوفي، و امتد الخلاف و التباين في فهمها ليس بين الباحثين من أنصار الصوفية ، و أعداءها ، بل داخل الحقل الصوفي نفسه، و سنحاول الاقتراب من أربعة موضوعات نراها الأكثر أهمية في هذا المبحث:
1- مفهوم التوحيد عند الصوفية، و علاقته بمفهوم وحدة الوجود و أحوال الفناء، و الشهود، واليقين.
2- التوسل بالقبور، و الأولياء عند الصوفية
3- الفقر والزهد عند المتصوفة.
4- طريقة الصوفية في الذكر، و مدى موافقتها للسنة.

مفهوم التوحيد عند الصوفية
يتعامل أهل التصوف مع التوحيد على مستويين متمايزين، وإن كان مترابطين إلى حد كبير، الأول يرى فيه مصطلحا عقائديا يعني التنزيه الكامل للإله، أما الثاني فيتعامل مع التوحيد على أنه حقيقة عرفانية تستولي على الصوفي، فيتعامل من خلالها مع نفسه أو العالم أحيانا، وقد تشغله أحيانا عن إدراك بنفسه، و العالم، وتستغرق وعيه بالكلية، فإذا أردنا أن نذكر من كلامهم عن التوحيد بالمعنى الأول (العقائدي) فنذكر على سبيل المثال لا الحصر:
قول الجنيد بن محمد: " التوحيد إفراد القديم من الحدث"، أي تنزيه الله (القديم) عن صفات المخلوقات (المحدثة).
و قول الجنيد كذلك: " إفراد الموحَد بتحقيق وحدانيته؛ بكمال أحديته، و أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد، والأنداد، و الأشباه، بلا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل"
و معنى كلام الجنيد هذا بألفاظ أخرى:
إفراد القديم: أي تنزيهه، [و ذلك] بتحقيق وحدانيته: أي أن تعتقد هذه الوحدانية على حقيقتها، [و ذلك بأن تعتقد] بكمال أحديته: أي أنه لا يجوز أن يكون له ثان، و لا أن يتجزأ ، أو يقال أنه أقانيم، ونحو ذلك، و أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد،بنفي الأضداد: أي أن صفاته لا تعرف بعكس أضداد ألفاظها اللغوية، فيقال : الله عليم، ولا يقال: الله غير الجاهل ، و يقال: بصير، ولا يقال غير الأعمى، و الأنداد: أي نفي وجود المساوي، و الأشباه: أي نفي الشبه عن الله، بلا تكييف: أي من غير وصف لذاته، و لا تصوير: أي لا يصح تصوره في ذهنك، أو تصويره في رسم، أو تمثال، ولا تمثيل: أي لا يصح أن يضرب لذاته ، أو أسمائه ، أو صفاته مثال إلا ما ضربه لنفسه من نحو (الله نور السماوات و الأرض) 
ومن ذلك قول ذي النون المصري : " التوحيد : هو أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج ، وصنعه بلا علاج ، وعلة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، وليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى مدبر غير الله ، وكلما يتصور في فهمك شيء فالله بخلاف ذلك ". 
و ما نقله قول أبي الحسين النوري:: "التوحيد تنزيه الحق عن دركه" أي تنزيه الحق أن تدركه الأبصار، و الأفهام.
ومنها قول القشيري: " قيل : التوحيد : أن تعلم أن كل ما خطر ببالك مما ترقى إليه كيفيته ، أو تنتهي إليه كميته ، أو تنتمي إليه ماهيته ، أو يليق بوصفه إنيته - فالله جل جلاله بخلافه ". أي أن الله منزه عن كل كيف، وكم ، و هيئة ، و وصف تتخيله العقول مهما كانت عظمته، لأن تصورات العقول مهما بلغت لا تحيط به.
ومنها ما ذكره عبد الله الأنصاري الهروي: " التوحيد : هو تنزيه الله تعالى عن الحدث ".
و هذا المفهوم العقائدي للتوحيد كما يظهر من هذه النصوص يتفق مع مفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة،و هي الأقوال التي يدافع بها أهل التصوف عن مذهبهم في وجه من يتهمهم بالبدعة في العقيدة، فضلا عن الكفر، و الخروج من الملة الإسلامية بالكلية، لكن لأهل التصوف أقوال أخرى تمثل جانبا آخرا من رؤيتهم للتوحيد، وهو جانب الحقيقة العرفانية، و كثير من هذه تثير الالتباس في فهمها ، وتجعل التشكك في حقيقة عقيدة المتصوفة مبررا -من وجهة نظر خصومهم على الأقل-، و نحن نثبت طرفا من هذه الأقوال ، ثم نبين لماذا أثارت الشبهة، و كيف هو تأويلها عند أهل التصوف.
فمنها قول الشبلي: " التوحيد : هو نور يعدمك لغيرك ، أو يعدم غيرك لك ".
و منها قول الجنيد: "التوحيد أن يكون الحق مكان الجميع"
و قول رويم الذي نوهنا عنه فيما قبل: "التوحيد محو آثار البشرية ، وتجرد الألوهية"
و قول الحلاج: "التوحيد فناء أوصافك، وبقاء أوصاف الحق"
و القول المنسوب لأبي يزيد البسطامي : "ما في الجبة إلا الله"
و أكثر من القول المنسوب إليه أيضا: "رفعني مرة فأقامني بين يديه، و قال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، و ألبسني أنانيتك، و ارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا"
فإن أخذت هذه الأقوال على ظاهرها أشعرت أن قائليها يتبنون فكرة "وحدة الوجود" على معنى القول بأن وجودهم هو بعينه وجود الله، و ذواتهم بعينها ذات الله، و صفاتهم هي بعينها صفات الله، و هذا المعنى يسمى بالحلول، وهو المصطلح الذي ورد في المراجع الصوفية الأقدم كاللمع مقرونا بالإنكار له والتبرأ منه حيث أفرد مؤلفه أبو النصر السراج فصلا بعنوان :"في ذكر غلط الحلولية، وأقاويلهم"، أما مصطلح "وحدة الوجود" ، فقد ظهر في أعمال المتأخرين من الصوفية مثل السهروردي القتيل، و هو غير شهاب الدين السهروردي صاحب العوارف، و الشيخ محيي الدين بن عربي، و عمر بن الفارض و العفيف التلمساني، والمحققون من أهل التصوف يصرون أن هؤلاء الأعلام ما قصدوا من قولهم بوحدة الوجود معنى الاتحاد بين الإله و العالم، أو حلوله بذاته فيه، ويؤكدون أيضا براءة الأعلام من متقدمي الصوفية الذين ذكرنا طرفا من أقوالهم، من هذه العقيدة، ولعبد الغني النابلسي الحنفي و هو من أكابر الصوفية المتأخرين رسالة في تفسير مقصد المشايخ بالقول بوحدة الوجود، وقد اطلعت على صورة من نسخة مخطوطة الرسالة المحفوظة في معهد دراسات الثقافة الشرقية بجامعة طوكيو، نقتبس منها نصا :
"إن جميع العوالم كلها على اختلاف أجناسها، و أنواعها، و اشخاصها موجودة من العدم بوجود الله-تعالى- لا بنفسها، محفوظة الوجود في كل لمحة بوجود الله -تعالى- لا بنفسها، وإذا كانت كذلك، فوجودها الذي هي موجودة به في كل لمحة هو وجود الله -تعالى- لا وجود آخر غير الله -تعالى- فالعوالم كلها من جهة أنفسها معدومة بعدمها الأصلي، و أما من جهة وجود الله -تهالى- فهي موجودة"
لكنه يؤكد في ذات السياق أن وجود الأشياء بوجود الله لا يعني مساواة الوجودين، أو اتحاد ذواتهما
"القديم موجود بوجود هو عين ذاته، والحادث موجود بوجود هو غير ذاته، بل كل واحد منهما مباين للآخر في ذاته، وصفاته، وإن اجتمعا في الظهور بالوجود الواحد، و ثبوت العين به، فإن الوجود الواحد للقديم بذاته ، و للحادث بالقديم، فالوجود الواحد القديم وجود مطلق على وجه لا أعظم منه، و في الحادث وجود مقيد على وجه يليق بالحادث"
و معنى كلام النابلسي بعبارة أسهل أن جميع ما في الكون خلقه الله (القديم) من العدم، و هو محفوظ عن الزوال و العودة إلى العدم بحفظ الله له ، وإمساكه مصداق قوله تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" ، فوجود العوالم كلها يعود إلى وجود الله، ولا وجود آخر في الكون مستقل عن وجوده، غير أن عدم استقلال وجود العالم عن وجود الله لا يعني اتحاد الوجودين في الذات أو الصفات، لأن الوجود الإلهي قديم ، مطلق لا حد له، والوجود المحدث للعالم مقيد محدود، و إن كان قائما بالوجود القديم.
و تأسيسا على هذا المفهود لوحدة الوجود رأى ابن عربي أن الوجود المحدث (المخلوقات) تتجلى فيها تجليات عظمة الوجود الإلهي القديم الذي به قامت، وبه هي قائمة، لا على معنى الاتحاد أو الحلول كما أوضحنا، فإذا انشغل الفكر بهذه التجليات و توقف عند حدها صارت له حجابا يمنعه عن إدراك الوجود الإلهي القديم ، و إذا رأى بعين البصيرة تجليات العظمة كأثر للوجود الإلهي الذي به قيام الموجودات صارت علامة على طريق الوصول لحقيقة وحدانية الله، وانطلاقا من هذا المعنى فسر ابن عربي لماذا أشرك من أشرك من الناس؟ فحسب رؤيته، فإن من اتخذ مخلوقا إلها من دون الله قد ضل عندما فطن إلى تجليات الوجود القديم في هذا المخلوق لكنه ظن أنها قائمة فيه بذاته، فظن المخلوق إلها وعبده، أما المؤمن فقد اهتدى لرؤية الوجود القديم من خلال العظمة المتجلية في المخلوق الحادث فصار هذا المخلوق بالنسبة له آية وعلامة على طريق التوحيد، وانطلاقا من ذلك قام ابن عربي بتصور دوائر متداخلة من الموجودات/الحجب/ العلامات التي تحيط بالإنسان يمكن أ، تقوده لطريق المعرفة بالله كما يمكن أن تكون حجابا بينه و بين هذه المعرفة، ووفقا لهذا الفهم التأويلي لمجمل أعمال ابن عربي يمكننا أن نفسر تلك الأبيات الشهيرة التي تبدو في بادي الرأي كفرا بواحا على نحو يتفق مع العقيدة الإسلامية ، وهي هذه الأبيات:
لقد صار قلبى قابلاً كلَّ صورةٍ فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهـبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكـعــبـةُ طـائـفٍ وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدين بدينِ الـحـبِ أنى توجـَّهَـت ركائبُهُ فالحـبُ دينى وإيمانى

فظاهر هذه الأبيات يوحي أن قائلها يساوي بين جميع الديانات ، ويرى أنها و الإسلام سواء، و هذا كفر محض على هذا التأويل، فهذه الأديان تعتقد في الله غير الحق، ولا تعترف بنبوه محمد (صلى الله عليه وسلم) ، و لكن إذا وضعنا هذه الأبيات ضمن السياق الفكري لرؤية ابن عربي للعالم كما بيناها لأمكننا أن نفهمها لا على أنه قبول لعقائد أهل الشرك ، ولكنه قصد أن قلبه قد صار قابلا لرؤية الوجود الإلهي المطلق الذي تقوم به هذه المخلوقات المقدسة في كل دين، لأن كل مخلوق به صورة لهذا الوجود الإلهي تتجلى من خلاله عظمة الله، و لكن ابن عربي يشيرلأن هذا التجلي لا يعني اتحاد الذات ولا تساوي الصفات، و ذلك باستخدامه كلمة (صورة)، فكأي صورة لإنسان يمكن أن نتعرف من خلالها على ملامحه، و صفاته،لكنها ليست هي ذات الشخص ولا لها صفاته،فهي لا تعدو أن تكون رسما على جدار أو ورق، أو نحتا في حجر.
هكذا يرى أهل الشرك ، بل و عامة أهل الإيمان عظمة مقدساتهم دون أن يتجاوزوا إدراك صورتها المباشرة ، لكن ابن عربي يرى ببصيرته، ويدعونا أن نرى بصائرنا الوجود الإلهي من خلال صورتها، و يترتب على هذه الرؤية أن تنشأ بينه وبين كل الموجودات علاقة حب لا من حيث هي وجود مخلوق حادث ، بل من جهة قيامها بالله ودلالتها عليه.
بالطبع يمكن لباحث آخر أن ينكر هذا التأويل ، ويصر أن ابن عربي يقصد المساواة في الصحة بين العقائد ، و أنه استخدم بيت الأوثان كناية عن ديانة الوثنية، ولوح التوراة كناية عن العقيدة اليهودية، و لوح الإنجيل كناية عن العقيدة النصرانية ، فالنص الصوفي قابل بطبيعته لتعدد التأويلات، لكن الأصل أنه متى كان ممكنا حمل أقوال أهل الملة علىالموافق للشرع فلا ينبغي أن تحمل على غيره تحسينا للظن بالمسلمين.و قد رأى بعض الباحثين أن رؤية ابن عربي و من ذهب مذهبه في وحدة الوجود لم تنبثق من الثقافة الإسلامية الأساسية و مراجعها ، بل من الفلسفة الغنوصية اليونانية، وربما من فلسفات مشرقية قديمة، و ربما من ذلك جميعا ، ثم أنهم استخدموا التأويل للربط بينها وبين عقائد الإسلام، غير أننا لا نستطيع قبول هذا الرأي ، بل نرى في أقوال ابن عربي تعبيرا فلسفيا عن رؤى مبثوثة في نص القرآن نفسه، ففكرة قيام وجود العالم بالله محل إجماع بين أهل الملة على اختلاف مذاهبهم العقائدية، و منصوص عليها في القرآن في قوله تعالى: "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا"، أما فكرة النظر إلى المخلوقات باعتبارها حجابا و باعتبارها آيات في نفس الوقت فنلمحه في القرآن نفسه، فالقرآن ينبهنا أن الشمس آية على وجود الله، وقدرته، تجليا لعظمته فيقول: "و الشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز الحميد" ، لكنه ينبه أنها قد تكون حجابا يحجب الإدراك عن معرفة الله يقول تعالى عن ملكة سبأ : " وصدها ما كانت تعبد من دون الله" وقد كانت تعبد الشمس.
و يقول الله في سورة حم، تنزيل " و من آياته الليل و النهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن" 
و يقول الله عن المنافقين "أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ( 19 ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ( 20)" 
فالمنافقون في ريبهم يترددون، و تتبس عليهم الأمور في شأن دعوة الإسلام، فتارة يهتدون لأنوارها ويسيرون معها، لكنها لحظات قصيرة خاطفة كالبرق سرعان ما يعودون بعدها لغفلتهم، فلا يفقهون آيات القران، أو ينتفعون بحكمة النبي (صلى الله عليه وسلم) فتكون هذه الآيات و تلك الحكمة حجابا و ظلمات بالنسبة لهم ، و إن كانا نورا لمن يسر الله له طريق الهداية، و هذا معنى قول الله تعالى في سورة براءة:"وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ( 124 ) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ( 125 )"
و لذلك فنحن قد نوافق على أن متأخري الصوفية ربما يكونون قد تأثروا بأهل التفلسف في طريقة عرضهم لأفكارهم، ولكنهم استقوا لباب هذه الأفكار بالتأكيد من الينبوع الإسلامي و من أنوار الكتاب والسنة.
و لقد أطلنا في دراسة مفهوم وحدة الوجود عند الصوفية لمركزيته في فهم رؤيتهم للتوحيد غير أن هناك مفاهيم أخرى ليست بأقل أهمية في هذا الصدد لعل أهمها مفهوما حال الفناء، و مقام الحرية ، و من دونهما لا يمننا أن نناقش معنى مقولات أهل التوصف التي عرضناها قبل قليل في سياق هذا المبحث، و سوف نؤجل ذلك للجزء التالي من الدراسة -إن شاء الله-.

الخميس، 23 أغسطس 2012

تقريب التصوف.. دراسة تأويلية (1)


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سبحانه لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل، و الله أكبر كبيرا، والصلاة والسلام على النبي محمد (ص) ، و آله ، وصحبه في العالمين، أما بعد:
فإن التصوف هو أكثر المباحث إثارة للجدل في تاريخ العلوم الإسلامية، فبينما نسبه قوم إلى الإلحاد ، و الزندقة، و الشرك، ورموا منتحليه بالقول بحلول الله بذاته في الأشياء ، و بعبادة الأضرحة والمقامات، و تأليه الصالحين و الأولياء، اعتبره آخرون روح الإسلام، و حقيقة الإيمان، و نعتوا السالكين سبيله بالولاية والكرامة، وعدوهم  وحدهم أهل المعرفة بالحقائق، و الإحاطة بالبواطن، و لقد كان هذا التباين في الموقف من التصوف قديم بعمر الظاهرة نفسها تقريبا، فالخلاف الذي حدث في أيامنا هذه في القرن الخامس عشر الهجري بين أبي إسحاق الحويني السلفي، و الشيخ علي جمعة الصوفي نجد له سوابق عديدة وصولا إلى الخلاف بين الإمام أحمد بن حنبل ، و الحارث المحاسبي في بدايات القرن الثالث الهجري، و على امتداد تلك القرون ظل السؤال حول التصوف مترددا لا يكاد يجد إجابة علمية موضوعية ، بل إجابات متحيزة بحسب المعسكر الذي يقف فيه الباحث إلا من رحم الله من الراسخين في العلم ، و كأن الجميع قد تشبهوا بقوم ذمهم الله - تعالى- في كتابه ، ونهانا أن نكون منهم، و هم "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" ، و لعل دعوة أحد كبار العلماء المعاصرين " لأسلفة التصوف، تصويف السلفية" هي الوصفة الأقرب لما يحتاجه الواقع التربوي الإسلامي ، إذ أن كلاً من علماء "الظاهر" ، و المتصوفة قد وضعوا أيديهم على جانب من حقائق الإسلام ، ولكن كل فريق أخطأ حين تعامل مع ما عنده على أنه الإسلام الصحيح، والإيمان السني، و ما عند أخيه على أنه الخطأ و البدعة و الضلالة، أو أنه زوائد وشواغل لا ضرورة لها، والحق أن لا غناء لطرف فيما عند أخيه على ما سنبين.
تهدف هذه السطور إلى النظر الموضوعي للتصوف، والبحث عما يمكن أن يقدمه للفكر التربوي الإسلامي المعاصر، وما هي القيم الإيجابية التي يدعمها، و السلوك القويم الذي يغذيه ، كما تحاول تحديد الأخطاء التي وقع فيها رواد هذا الطريق ، و التي انحرفوا بها عن الفهم السليم للنصوص الإسلامية الأساسية، كما تهدف أيضا لمحاولة تحديد الأسس التي يمكن أن نجدد من خلالها المنهج الصوفي لكي يلعب دورا محوريا في تقديم روحانية فعالة إيجابية تمثل طاقة خير لصالح الإنسان في الدنيا و الآخرة، كما يحاول الباحث في هذه الدراسة أن يتجنب الروح الاعتذارية التي تسود بعض الدراسات التي تحاول أن تنصف التصوف، و هي الدراسات التي اعتادت أن تنفي بدون دليل واضح الآراء و الأقوال المنسوبة لأئمة التصوف ، والتي يخالف ظاهرها صحيح المعتقد الإسلامي، أو تعاليم الكتاب والسنة، و ادعاء دسها على الشيوخ بغرض تشويه سمعتهم و سمعة التصوف رغم أن أكثر هذه المقولات مأخوذة من المراجع الصوفية نفسها، لأننا لو جوزنا ذلك لأمكن أن ندعي بالمثل أن المقولات المنسوبة إليهم، و التي تتفق مع صحيح المعتقد الإسلامي ، وتعاليم الكتاب و السنة مدسوسة كذلك بغرض تحسين صورتهم و تبييض صفحة التصوف ، و سنعتبر المقولات المنسوبة لشيوخ التصوف صحيحة طالما وردت في المراجع المعتمدة لمذاهبهم خاصة المراجع الأقدم مثل اللمع للسراج الطوسي، و عوارف المعارف للهويجري،و التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، و الرسالة للقشيري، و مؤلفات أبي حامد الغزالي، لأنه طالما أثبتت المقولة في مثل هذه الكتب الأساس عند أهل التصوف ، فإن ذلك دليل على قبولهم لها ، و أنها موافقة إما بظاهرها أو بتأويل لها لمذهبهم، سواء صحت نسبتها لهذا الشيخ أو ذاك أم لم تصح، و سيكون اعتماد الباحث على هذه الكتب التي ذكرناها دون غيرها كونها المصادر الأقدم ، والأكثر توثيقا في رأينا لمذهب أهل التصوف ، وكلام شيوخه الأكابر.
في أصل كلمة "الصوفية":
يبدأ الجدل حول الصوفية من أول تحديد أصل هذا المصطلح، و يمكننا أن نحدد أربعة أقوال أساسية في تلك المسألة:
أولا: أصلها من الصوف ، باعتبار عامة لباس أهل هذه الطريقة المتقدمين كان من الصوف زهدا، وتقشفا ، و هو الرأي الذي رجحه كثير من المتصوفة أنفسهم.
ثانيا: نسبة و تشبها بأهل الصفة: وهم مجموعة من الصحابة كانت تعيش في المسجد متفرغين للعبادة، و تلقي العلم النبوي ، و أشهرهم أبو هريرة -رضي الله عنه- و لم يكن لهم عيال و لا أموال، وعلى هذا الرأي كانت الطائفة تسمى أولا صفية، ثم تحورت إلى صوفية، و هذا ممكن نظريا ، لكننا لا نجد أبدا في أي مرجع أن مصطلح "صفية كان له أي وجود تاريخي ، بل إن أقدم المصادر و الروايات تستخدم مصطلح صوفية مما يضعف هذا الفرض.
ثالثا: نسبة لصفاء القلب و الروح: و يضعف هذا الرأي أن الاشتقاق اللغوي في النسبة للصفاء (صفائية)، و يمكن أن يحور إلى (صفاوية)، و ليس إلى صوفية.
رابعا: أن اللفظ تعريب لكلمة sofia الإغريقية بمعنى الحكمة: و هذا الرأي الذي رجحه تاريخيا أغلب أعداء التصوف لما يوحي به من تشبه أصحاب الطريقة بالوثنين، و انخلاعهم من ربقة الإسلام، واشتقاق مذهبهم من الفلسفات الكافرة، غير أن هذا الرأي تلقفه بعد ذلك كثير من المستشرقين و انتصروا له فرحين أن يجدوا للحضارة الغربية ذلك التأثير الكبير في عقائد المسلمين وديانتهم، و من خلالهم تبناه عدد من مفكري المسلمين ممن تربوا على الفكر الغربي مثل الأستاذ المغربي المعروف الراحل محمد عابد الجابري، و يتفق هذا الرأي في أصل كلمة التصوف مع الادعاء بأن المتصوفة قد تأثروا في تأسيس مذهبهم بفلسفة الإغريق، و خاصة بالمدرسة الأفلوطونية الجديدة، , و نحن نستبعد تماما هذا الرأي ، و من يذهبون له يؤيدون مذهبهم بنصوص لأمثال السهروردي صاحب كتاب "حكمة الإشراق" الذي عاش في القرن السادس الهجري، و أقوال لمحي الدين بن عربي و هو من أعلام القرن السابع، و أشباههم من متأخري المتصوفة، ونحن لا ننكر أن يكون لهؤلاء أو لغيرهم من متأخري الصوفية تأثر بفلسفة الإشراق خاصة أنها قد ذاعت نسبيا في الفكر الإسلامي منذ ابن سينا ، ولكن لا جدال أن كلمة الصوفية أقدم من السهروردي بكثير، كما أن أصول الصوفية سلوكا وعلما قد اكتملت في القرن الثاني، أو أوائل القرن الثالث الهجري على الأكثر ، و تشكلت في بيئة ثقافية إسلامية خالصة تقريبا، فنحن حين نراجع ترجمات رواد التصوف الأوائل أمثال الشبلي، والجنيد، و السري السقطي، والنوري، ورويم بن أحمد، و سهل بن عبد الله، و رابعة سواء طالعناها في مصادر المتصوفة، أو غيرها من كتب الرجال لا نجد أن لهؤلاء و من في مثل طبقتهم من المتصوفة اتصال بالثقافات غير الإسلامية، أو اطلاع على الثقافة الفلسفية اليونانية، و لا نجد بين أشياخهم من عرف بالتفلسف ، أو درسه، أو اشتغل به، لذلك فنحن نرجح أن تكون الصوفية مشتقة من الصوف لما ذكرنا من الاعتراضات التي تدفع غير ذلك من الأصول المزعومة للكلمة.


ثانيا: صعوبات منهجية في دراسة التصوف:

تتمثل أهم صعوبة في دراسة التصوف في لغة الأدبيات الصوفية نفسها، فبينما يتعامل الباحث في علم الكلام أو علم الفقه مع أدبيات تعتمد الأسلوب العلمي في الكتابة، و بالتالي يمكن لجميع الباحثين الوصول لنفس المعنى عند دراسة مصطلح من مصطلحات المتكلمين، أو الفقهاء ، أو الأصوليين، فكل الباحثين في الكلام يعلمون بالتحديد ماذا يقصد المتكلم حين يطلق مصطلح مثل القديم أو المحدث أو الجوهر أو العرض، و كل باحث في الفقه يعرف تماما ماذا يقصد الفقيه بالواجب، والفرض، والحرام ، وحتى لو تباين استخدام المصطلح بين المذاهب ‘ فإن الدارس الملم بالفقه المقارن يدرك ذلك بسهولة مثل تمييز الأحناف بين الفرض والواجب خلافا لباقي المذاهب، لكن هذا اليقين،و هذا التمييز يتلاشى تماما عند التعامل مع الأدبيات الصوفية ، لأن الباحث لا يكون أمام نص علمي بالمعنى التقليدي ، بل مع نص أدبي يعتمد الكنايات، و الرمز، ومولع بصياغة عبارات ذات مستويات عدة للدلالة ، وبإحالة المتلقي إلى المسكوت بدلا من التصريح بالمنطوق، بالتالي فإن أي دراسة للتصوف هي بطبيعتها دراسة تأويلية، وكأي دراسة تأويلية لا يمكن إغفال دور القاريء في  استخراج الدلالة من النص، أي أن المعنى يكون بالضرورة نتيجة للتفاعل بين القاريء والنص، تأسيسا على ذلك يمكن أن نتوقع أنه إذا كان للقاريء رأي سلبي مسبق في التصوف ، فلا يمكن إلا أن يستخرج معان سلبية لما يقرأ، والعكس بالعكس.

لنأخذ مثلا ، وهو قول رويم بن أحمد عن التوحيد: "محو آثار البشرية، و تجرد الألوهية"، فهذا النص يمكن تأويله على معنى أن الموحد الحقيقي ينخلع من حوله وقوته إلى حول الله و قوته، و من إرادته إلى إرادة الله ، ومن هواه إلى حكم الله، ومن التعلق بالأسباب إلى التوكل على الله، ومن فرحه و حزنه إلى الرضا بقضاء الله، فلا يكون للصفات البشرية على الإنسان أثر، و بالتتالي يظهر خضوعه المطلق للألوهية مجردا ، وعلى هذا التأويل تكون هذه العبارة التجلي الأكمل لقول الله تعالى: "قل إن صلاتي و نسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين"، لكن هذا النص يمكن لشخص آخر أن يأوله على معنى حلول الذات الإلهية في البشري، وعلى هذا يمكن استخدامه في التشنيع على المتصوفة والتصوف.، وبالمثل يمكن أن نفهم النص الشهير المنسوب إلى أبي يزيد البسطامي "ما في الجبة إلا الله" على أن الله فيها بعلمه، وقضائه، وقدره، و إحاطته كما ذهب المفسرون في تأويل قول الله-تعالى- "وهو الله في السماوات والأرض"، و يمكن أن نفهمه على معناه الحرف فنتهم البسطامي و معه المنصوفة جميعا بالكفر والضلال، و لقد كان الصوفية واعين تماما للصعوبات التي تكتنف أساليبهم التعبيرية ، و إمكانية الوقوع في الفهم الخاطيء لها بحسن نية أو بسوء نية لذلك فقد تحدثوا عن المضنون به على غير أهله، مما جر عليهم شبهة الباطنية ، و أن لهم عقيدة خفية غير ما يعلنونه للناس من اتباعهم لعقيدة الإسلام، و ساهم في دعم ذلك ادعاؤهم أن لكل مصطلح إسلامي ظاهرا هو حظ العوام من المتدينين و حقيقة يتحقق بها الخواص من أهل العرفان، لكن مراجعة أدبياتهم تؤكد أن تلك المعاني الخاصة لا تتعارض في المجمل مع العقيدة الإسلامية، أو تعاليم الكتاب و السنة، لكنها تمثل ذروة عالية لا يقدر على الوصول لها إلا الأشداء، فمثلا ورع العوام عندهم ترك اشبهات، و ورع الخواص ترك كل ما لا يقرب إلى الله، وصبر العوام عدم الجزع، وصبر الخواص عدم الحزن، وصبر خواص الخواص الانشراح لجميع ما قدر الله.

يجدر هنا أن نسأل سؤالا هاما: هو لماذا اختار الصوفية هذا الطريق الصعب للتعبير عن علومهم؟ بمراجعة كتب التصوف للبحث عن إجابة هذا السؤال نجد إجابتين، أولها إعزاز علم التصوف عن أن يرتاده من ليس من أهله من العامة، أي أن الغموض هو أسلوب متعمد صيانة المضنون به على غير أهله، و الإجابة الثانية،و هي الأجدر بالاهتمام في رأيي أن حقائق هذا العلم -من وجهة نظرهم- لا يمكن التعبير عنها كأفضل ما يكون بغير الرمز و الإشارة، أما الشرح فهو يخفي المعنى و لا يظهره لأن اللغة في استخدامها المباشر غيرمهيأة للتعبير عن حقائق هذا العلم، كما أن الشرح يذهب رونق العلم الصوفي لأنه يمنع المتلقي عن التأمل في العبارات، والربط بينها وبين تجربته الذوقية الخاصة، و لعل هذا ما قصده السراج الطوسي حين قال في اللمع: " وهذا العلم أكثره إشارة لا تخفى على من يكون أهله، فإذا صار إلى الشرح و العبارة يخفى و يذهب رونقه.

و ثاني صعوبة تواجه الباحث في التصوف أن عبارات أهله تعبير عن تجربة روحية خاصة، بأثر من كونها تنظير لمفاهيم محددة جامدة، و هذا يؤدي لما يمكن أن نسميه ذاتية الرؤية الصوفية، وعدم الانتباه لذلك يؤدي بالباحث إلى الحيرة ، فعلى سبيل المثال يعرف أحد المتصوفة الكبار حقيقة التوبة بأن تنسى ذنبك، فيما يعرفها شيخ آخر من أكابرهم بأن لا تنسى ذنبك، وهذا التناقض الشكلي ناتج من أن كل واحد منهما يعبر في الواقع عن تجربته الذاتية مع التوبة، فأما من رأى حقيقتها أن تنسى ذنبك، فقد أشار إلى معنى نسيان كيفية الذنب، و اللذة المترتبة عليه لانشغال الفكر عن ذلك بالتدبر، والجسد بالعبادة، و النفس بلذة الطاعة، و الروح بمشاهدة الأنوار، فحقيقة التوبة من شرب الخمر على هذا المعنى ألا تذكر لونها، و طعمها، ورائحتها، ونشوتها، و كأنك ما رأيتها، ولا تناولت كاسها، ولا رشفت ماءها،لكن من رأى حقيقة التوبة ألا تنسى ذنبك فقد قصد أن يظل القلب مفطورا من الندم، و العين باكية ، واللسان لاهجا بالاستغفار، و أهل التصوف يفهمون هذا التناقض الذي يبدو بين عبارات المتصوفة وبعضهم البعض، بل و بين عبارات نفس الصوفي في الأحوال المختلفة على أنه نتيجة مشاهدة لأبعاد مختلفة من شيء واحد، أو مشاهدته من زوايا مختلفة.
الخلاصة أن النص الصوفي صعب المراس، مكتنز بالدلالات، قابل للتأويلات، لا يفصح عن معناه لمن يمر عليه مرور الكرام و ولا لمن يتعالى عليه من الباحثين، نص لا يستجيب من أول مرة، و لا يبوح بأسراره إلا بعد تأمل و شقاء.

الاثنين، 23 يوليو 2012

القواعد الأساسية للرؤية الإقتصادية الإسلامية


يمكن أن نجمل القواعد الأساسية للنشاط الاقتصادى فى الرؤية الإسلامية فيما يلى:
1- الربح مقابل المساهمة الحقيقية فى إنتاج السلع والخدمات.
2- تقليل المخاطر، وتوزيعها.
3- التراضى أساس المعاملة إلا التراضى على باطل.
4- الحفاظ على الموارد، وتجنب الهدر.
5- الضرر يزال، أو "لا ضرر، ولا ضرار".
6- دور فعال للدولة.
7- المرونة والواقعية.
1- الربح مقابل المساهمة فى إنتاج السلع والخدمات:
يمكننا أن نفهم أهمية هذه القاعدة عند النظر إلى أغلب ما يسمى بالمنتجات المالية الحديثة التى تروج فى الأسواق المالية العالمية فى السنوات الأخيرة، والتى كانت سببا مباشرا للأزمة المالية العالمية التى اجتاحت العالم فى عام 2008 وما بعده، فهذه المنتجات ليست سلعة حقيقية تتداول بين البائعين والمشترين، وإنما يجرى التداول على حقوق تملك "نظرية" للمواد الغذائية، أو المعادن، أو العقارات من غير أن يتسلمها المشترون بالفعل، وتدخل فى ضمانهم، وقد بينا أن الرأى المستقر فى الفقه، والذى عليه الدليل الشرعى ألا يباع الشئ حتى يحاز ويدخل فى ضمان البائع، وبينا أن الرخصة عند بعض المذاهب والأئمة فى أنواع من البيع قبل القبض ما قصدوا بها التحيل لهذا النوع من المعاملات، وإنما تسامحوا معها، لأنهم وجدوا احتمال الخطر فى عدم تسليم السلعة منخفضا فى هذه الأصناف التى ترخصوا فيها فى تعاملات تجار زمانهم، وهى الأراضى فى رأى أبى حنيفة، وغير المطعوم من المبيعات فى رأى مالك ومن رأى رأيه، واستخدام فتواهم للتوصل إلى إباحة معاملات عالية المخاطر جدا هو عكس للأسس التى قامت عليها وتشويه لها.
وقد كان جديرا بالاقتصاديات التى تعتمد النموذج الإسلامى ألا تمارس هذه الممارسات الاقتصادية، وقد كان ذلك كفيلا بألا تقع فى الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008، لكن احتراف بعض مؤسسات التمويل الإسلامى فى بعض مدن الخليج بالذات للتجارة فى أدوات مالية مشابهة من خلال الحيل التى أدمنتها هذه البنوك قادها إلى السقوط فى نفس الفخ الذى وقعت فيه غيرها من الاقتصاديات، وهى الحيل التى يعتبرونها شرعية رغم افتقاد كثير منها للشرعية، فأصل الحيل الشرعية عند من أباحها من العلماء الوصول للمقاصد المشروعة بالطرق المشروعة، أما الوصول للمقاصد غير المشروعة بالطرق المشروعة إثم عظيم، واستهانة بالشريعة، وتضييع لمقاصدها، وإن ظهر الالتزام بها شكلا، وما كانت أزمة ديون دبى إلا نتاجا لهذا.
إن مبدأ الربح مقابل الإنتاج الحقيقى للسلع والخدمات يؤدى لتنمية حقيقية، لكن هذه الألاعيب المالية فلا تؤدى إلا إلى تضخم ثروات البعض مقابل مخاطر كبيرة يتحملها المتعاملون والاقتصاد ككل، وهذا يقودنا للقاعدة التالية من قواعد الرؤية الإسلامية للنشاط الاقتصادى.
2- تقليل المخاطر، وتوزيعها:
يمكن وصف النظرية الإسلامية فى الاقتصاد عموما بالمحافظة حيث أنها تهدف إلى تقليل المخاطر على قدر المستطاع، فتحريم بيع المنابذة والملامسة وأشباهها، وبيع المحاقلة، وهو بيع المحصول فى الحقل بتقديره حبوبا، والمزابنة، وهو بيع الثمر فى الأشجار بخرصه زبيبا أو تمرا، وسائر بيوع الغرر يهدف إلى تقليل المخاطر، وتقليل أسباب النزاع، وبالمثل تعليق المبيع على شرط مستقبل والرهان والقمار ونحو ذلك محرم للخطر فيه، غير أن الشريعة لا تهدف إلى تقليل المخاطر فحسب، بل إلى توزيعها على المتعاملين بحيث تقل وطأة الوقوع فيها، إذ إن الخطر لا ينفك عن أى نشاط اقتصادى فى الواقع، ولذلك اعتمد الفقهاء قاعد "الغنم بالغرم" فلا يجوز أن يشترط شريك فى شركة أو رب المال فى المضاربة عدم تحمل الخسارة.
ومن وسائل توزيع المخاطر أيضا وضع نظام مستقر لمساعدة الغارمين من خلال تخصيص حصة لهم فى مصارف الزكاة وسنتبين ذلك لاحقا فى القسم الثانى من بحثنا.
3- التراضى أساس المعاملة إلا التراضى على الباطل:
وأساس ذلك قول الله تعالى: "لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"، وحديث النبى () "المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرام حلالا" فلا يجوز عقد الربا، ولا عقد الضرر، ولا العقد المعلق على الخطر، ولا الشروط الفاسدة بحجة قبول طرفى التعاقد، فتأسيس النشاط الاقتصادى على العدل لا يتعلق برضاء الأفراد أو بعدم رضائهم، لأن أفعالهم لا تؤثر فى حياتهم فقط، بل فى مجمل أوضاع الاقتصاد، والعلاقات داخل المجتمع.
4- الحفاظ على الموارد، وتجنب:
وقد فصلنا القول فى ذلك فى إدراج سابق، فلا داعى للتكرار.
5- الضرر يزال، أو "لا ضرر، ولا ضرار":
وهذه قاعدة أساس من قواعد الشريعة الكبرى فى العبادات، والعادات جميعا، ومعظم ما ذكرنا فى القواعد الأربعة السابقة يدخل أيضا تحت هذه القاعدة، لكن أفرد الحديث عنها فى عنوان مستقل لإلقاء الضوء أكثر على تطبيقاتها فى النشاط الاقتصادى.
فإزالة الضرر تؤدى إلى منع إنتاج بعض المنتجات كما أوضحنا مثل الخمر، والخنزير، والأصنام لأنها تؤدى إلى ضرر بالدين والعقل.
وإزالة الضرر قد تبرر وضع رقابة صارمة، وترتيبات معينة لتجارة السلع التى تحتاج لذلك مثل الأسلحة والأدوية.
وإزالة الضرر تمنع فى الشرع بعض الممارسات كالنجش، والسوم على سوم الآخر. وإزالة الضرر تبيح استثناء بعض الممارسات من قاعدة الوفاء بالعقود بمجرد إبرامها مثل خيار الرد بالعيب، وخيار الرؤية، وخيار المجلس عند من اعتبرهما من الفقهاء.
وإزالة الضرر تؤدى إلى تقييد حق المالك فى التصرف فى ملكه من خلال اعتبار حق الشفعة للشريك، أو للشريك ثم الجار على خلاف المعروف بين المذاهب، ومن هذا الباب فتوى بعض العلماء فيمن أراد أن يجعل من عقار يملكه فى سكة غير نافذة حماما (السكة غير النافذة هى الشارع المفتوح من جانب واحد، ويعتبر فى الفقه الإسلامى منفعة مشتركة بين سكانه) أن لهم حق منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل أو أقل من دخان الجيران، لأنه إذا كان دخان الحمام أكثر من دخان الجيران ففيه مضرة للجيران، أما إذا كان دخان الجيران مثل دخان الحمام أو أكثر كأن يكون فى نفس السكة مصبغة، أو شئ مشابه، فإن رغبتهم فى منع إقامة الحمام من باب الإضرار بصاحب العقار بدون سبب وجيه.
وتأسيسا على هذه القاعدة يمكن أن نقيم الكثير ممن الممارسات المعاصرة فى الاقتصاد فالأصل فى العقود فى الشريعة الإسلامية التراضى، لكن إزالة الضرر قد تؤدى إلى تقييد هذا الحق أحيانا، فالأصل فى تحديد أجر الأجير، ومواعيد العمل التفاوض، والاتفاق، لكن إذا كانت الظروف المحيطة تسمح لرب العمل أن يحيف على العامل فبخسه حقه، أو يكلفه فوق ما يطيق، فللحاكم أن يقيد ذلك ببعض الشروط التى تضمن تحقيق العدل كتحديد حد أدنى للأجر، أو حد أقصى لساعات العمل.
والأصل فى التملك إطلاق التصرف فيما تحت اليد، لكن قد أوضحنا أن الفقهاء قيدوا ذلك أحيانا بالشفعة، وبمنع ممارسة بعض الأنشطة المضرة بالجيران، وقد يدخل فى ذلك حق الحاكم فى تقييد زراعة بعض المحاصيل، والأشجار المستهلكة للمياه للمصلحة العامة مثل الأرز، والموز، أو تلك المرهقة للتربة.
لكن قاعدة الضرر يزال تضبطها قاعدة أخرى فى الفقه الإسلامى هى:
"الضرر لا يزال بالضرر"
فرفع الضرر عن أحد الأطراف لا يكون بطريقة تؤدى لإلحاق الضرر بطرف آخر، فللشريك الحق إذا كان يريد الشراء أن تكون له الأولوية بالشفعة، لكن الضرر الواقع عليه فى حال البيع لا يكون مبررا لكى يمنع شريكه من بيع حصته لغريب إذا كان لا يريد هو الشراء، أو أن يشترى بثمن أقل مما عرض الأجنبى لأن فى ذلك ضرر على الشريك الراغب فى البيع، ولا يزال ضرر بضرر.
ولذلك حمل كثير من الفقهاء حديث أبى هريرة عن النبى (): "لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرس خشبة فى جداره" على الندب والاستحباب، لكن لا يقضى به على المالك لأنه إذا وجب عليه ذلك، وقيس عليه ما فى بابه لأدى ذلك لسقوط حق المالك فى احتكار نفع ما يملكه، وهو لب مفهوم الملكية، وللحق الناس فى أموالهم ضرر كبير، فلا تزال المضرة الواقعة على الجار فى عدم وجود مكان لتعليق خشبته (مثل اللافتة الإعلانية) ا بالإضرار بالجار صاحب الجدار بإجباره على إدخال ما يكره على ملكه.
لكن من وجهة النظر العملية لا يمكن إزالة ضرر من غير أن يلحق أى طرف من الأطراف ضرر بالكلية، فمثلا منع التجارة فى الخمور، والمخدرات يحرم المتاجر فيها من الربح، وهذا مضرة، وينطبق هذا أيضا على منع الاحتكار، والربا.
لذا فقد قسم الأصوليون الضرر من حيث إزالته إلا ما يلى:
1- الضرر الذى لا يترتب على إزالته أذى يذكر، وهذا ضرر يجب رفعه.
2- الضرر الذى تؤدى إزالته إلى مفسدة، أو ضرر أقل من الضرر الأول واجب الإزالة أيضا.
بدليل قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا"
فحرم القرآن الخمر والميسر مع الإقرار بوجود منافع فيهما لأن إثمهما (أى ضررهما) أكبر من نفعهما.
3- الضرر التى تؤدى إزالته إلى مفسدة مساوية للضرر الأول: مثل أن يقع التهديد على إنسان بالقتل إذا لم يقتل فلانا، فهذا ضرر لا يجوز رفعه على هذا النحو، ويجب عليه أن يصبر على القتل، ولا يمارس هو القتل، لأن "الضرر لا يزال بالضرر"
هذا فى الفتوى، أما فى الحكم والقضاء، فالإكراه على القتل بالتهديد بالقتل يمنع القصاص من القاتل، والراجح أن يقتص من المكره لأن القاتل فى حكم الأداة فى يده.
4- الضرر الذى تؤدى إزالته لضرر أكبر، وهذا الضرر منهى عن إزالته.
6- دور فعال للدولة:
يتمثل الدور الأساس للدولة فى الرؤية الإسلامية للنشاط الاقتصادى فى الوقاية الفعالة لضمان عدم خروج المتعاملين عن أحكام الشريعة، وعدم خروج العملية الاقتصادية عن القواعد الأساسية التى ذكرناها.
فقد اعتمد المسلمون الآية القرآنية: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ" لاستحداث وظيفة المحتسب بدء من عهد عمر بن الخطاب، وكان الدور الأساسى للمحتسب هو مراقبة الأسواق لضمان عدم خروج المعاملات عن ما أحله الله تعالى.
وقد كان المحتسب يمد رقابته لأسواق الطعام، والمنسوجات، والأدوات المعدنية، وغيرها، و كذا أصحاب الحرف، والصناعات المختلفة، والنصوص التراثية التى تحدد عمل المحتسبين توضح أن هذه الرقابة كانت تمتد لضمان تطبيق أصحاب المهن والتجار القواعد العامة للرؤية الإسلامية وتنزيلها على مهنهم على النحو الأفضل، وليس مجرد تطبيق نصوص ضيقة حول الحرام، والحلال، فالمحتسب عندهم يجب أن يضمن أن تكون أسقف المخابز عالية مع وجود فتحة واسعة للسقف لخروج الدخان، وذلك لإزالة الضرر عن العاملين بالمخبز، ويجب أن تستخدم ملابس ضيقة الأكمام، حتى لا تقع فى العجين، و أن يربط جبينه بقطعة قماش حتى لا يسقط عرقه فى الطعام، حتى لا يشمئز من ذلك المشترى صيانة لحقه فى إزالة الضرر عنه.
وقد كان الاحتساب وظيفة طوعية فى بداية الإسلام، ومن هنا جاء اسمها لأن القائم بها يحتسب أجر مجهوده عند الله – تعالى – لكن مع تغير الأحوال، وتبدل الزمان لم يعد ممكنا إيجاد العدد الكافى من المحتسبين المتطوعين، وإن وجدوا لم يكن سهلا على السلاطين والأمراء إجبارهم على القيام بتكاليف مهمتهم على أكمل وجه طالما أنهم لا يتلقون مقابل لها، ولذلك تحولت الوظيفة مع الأيام إلى عمل بمقابل مادى، وحتى البلاد الإسلامية التى كان يسود فيها مذهب لا يرى جواز الإجارة على أعمال الخير المأجور عليها من الله كالخطابة، وتعليم القرآن مثل المذهب الحنفى، تحيل علماؤه المتأخرون كى يبيحوا إعطاء القائمين على هذه الأمور (ومنها الاحتساب) مقابلا لعملهم تحت اسم المعلوم، والعطية لتجنب تسميته أجرا، وذلك حتى يمكن لهذه الوظائف أن تستمر فى الوجود مع قلة المتطوعين.
غير أن أمر المحتسب لم يكن مثاليا بالكلية، فقد أدى منح سلطة التعزير له إلى حالات من سوء استغلالها، وساهم فى ذلك أن بعض الدول الإسلامية أضافت للمحتسب وظيفة وأد الفتنة ومنع انتشار الشائعات، فانحرفت المهنة عن غرضها الأول، وأصبح لها دور أقرب للبوليس السياسى ومباحث أمن الدول فى الدول التسلطية الحديثة كما كان الحال فى عهد دولة المماليك الشراكسة فى مصر، وبالتالى زادت فرصة المحتسبين ذوى الضمائر الخربة فى التربح، غير أننا لا نناقش أمر المحتسب فى ذاته، فكل مؤسسة عرضة لانحراف جماعة من أبنائها، وحتى لانحراف المؤسسة نفسها فى وقت من الأوقات، ولكننا نريد توضيح أن أمر الرقابة من الدولة على النشاط الاقتصادى له تاريخ عريق فى الفكر الإسلامى، ومن الممكن أن يتم إحياء ذلك من خلال الصور المعاصرة المختلفة، وبشكل عام فإن بالدول الإسلامية العديد من المؤسسات التى تمارس عمل المحتسب بعضها تابع لجهاز الشرطة، وبعضها تابع لوزارات العدل فى هذه الدول، وبعضها لوزارات الزراعة، والتجارة، والصحة، وغيرها، وليس المهم تأسيس مؤسسة باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا أن يكون هناك موظف اسمه المحتسب، ولكن أن يتم تطهير المؤسسات الرقابية بحيث تؤدى عملها كما ينبغى، وأن تستغل فى فرض الرقابة التى تضمن تحقيق الرؤية الإسلامية فى عالم النشاط الاقتصادى.
فصل: فى التسعير الإجبارى:
الأصل عند علماء الفقه أن التسعير الإجبارى لا يجوز لحديث النبى () وقد طلب إليه بعض الصحابة أن يسعر لهم فقال: "إن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المسعر"، ذلك أن التسعير الإجبارى قد يؤدى إلى بخس حق التاجر لصالح المستهلك، إذ أن الحكومات تميل غالبا ما يرضى الأكثر، ولو على حساب العدل تثبيتا لملكها، ونحن نلمح أثرا لذلك فى تحديد إيجارات المساكن فى مصر حيث انحاز المسعرون لمصلحة السكان على نحو أخل بشدة بمصلحة الملاك، بل أهدر الكثير من حقوق الملكية الخاصة بهم، إذ إن جوهر التملك هو إنفراد المالك بالتصرف فى ملكه، وهو ما اعتدى عليه المشرعون الوضعيون على نحو أهدر مفهوم العدالة، وذلك نفاقا للسكان إذ أنهم الأكثر عددا على المستوى القومى، وبدلا من أن تقوم الدولة بواجبها فى البحث عن طرق لحل مشكلة الإسكان فضلت أن ترفع عن نفسها جزءا من واجبها، ووضعته على كاهل أصحاب العقارات رغم أن ذلك ليس بواجب عليهم وليس لازما عليهم أن يتحملوه، وهكذا نجد، فى كثير من الأحوال أنه عادة ما تعجز الحكومات عن مواجهة الشعوب بأن العدالة تقتضى رفع الأسعار، خوفا من رد فعل الجماهير، فتحافظ على الأسعار المنخفضة التى تغبن المنتجين والتجارة، وتبخسهم أشياءهم، فيلجأون إلى تقليل جودة المنتج، أو بيعها فى السوق السوداء، وبذلك يخلق التسعير الإجبارى من المشكلات أكثر بكثير من تحديد الأسعار بواسطة العرض، والطلب.
هذا الذى ذكرنا رأى الفقهاء فى التسعير الإجبارى عموما، وهذا محمول على الأحوال التى تؤدى فيها ظروف السوق للتحديد العادل للسعر، وذلك أن يكون هناك سهولة فى الدخول إلى السوق، وحرية فى الخروج منها، وتنافسية حقيقية بين التجار، والمنتجين، لكن هناك حالات استثناها كثير من الفقهاء من قاعدة عدم التسعير، وهى حالات الاحتكار خاصة فى الأقوات، وما أشبهها من السلع الأساسية التى يضطرب المجتمع لغلو سعرها، ويمكن أن ندخل فى ذلك اليوم الوقود، ومستلزمات البناء، والأدوية، وأشباه ذلك، فمن الواجب على الحكام التدخل لمنع قيام المحتكر بممارسات تؤدى إلى رفع الأسعار، لأن الناس تتضرر بشدة من ذلك، وليست لهم القدرة عن الاستغناء عن هذه السلع، أو تقليل استخدامها لهم حتى يجبر التاجر على تخفيض الأسعار (سلع غير مرنة بالمفهوم الاقتصادى الحديث)، وهنا اختلف العلماء فيما بينهم فى الكيفية التى يمكن أن يحدث بها ذلك، فرأى بعض العلماء أنه لا بأس بالتسعير على المحتكر بعد استشارة أهل الخبرة لتحديد السعر العادل إذا خيف الضرر على الناس، وليس ذلك بمخالف للحديث النبوى، وإنما هو للضرورة فإذا انتهى الاحتكار، وفشت السلعة وجب على الحاكم رفع التسعير لانقضاء الضرورة، وممن ذهب لذلك الإمام أبو حنيفة، وقال تلميذه محمد الشيبانى بأن يجبر الحاكم المحتكر على إخراج سلعته، وبيعها حتى يرخص السعر، ولا يسعر عليه للالتزام بنص الحديث، ويقاس على رأى محمد فى عصرنا إجبار الحاكم أصحاب المصانع على تشغيل مصانعهم بالطاقة القصوى، وإخراج كل ما ينتجونه للبيع بغير تخزين، أو تصدير لخارج البلاد، والرأى عندى أن كلا مما ذهب إليه الإمام، وما ذهب إليه تلميذه صحيح، ومؤسس فقهيا بشكل سليم، وإنما الرأى فى ذلك لأصحاب الرأى الاقتصادى.
والاحتكار عند بعض العلماء يكون فى كل سلعة يؤدى منعها أو رفع سعرها بضرر معتبر بالناس، ويلحق بهم العنت، وهو بهذه الصفة محرم، ويتدخل لمنعه إذ تحققت المضرة وعند بعضهم يكون فى أقوات الناس والبهائم حراما. وعند بعضهم فى الطعام فقط.
والملاحظ أن الخلاف بين الآراء الثلاثة خلاف شكلى فحسب، فمن قال من العلماء بالرأى الأول فقد قعد القاعدة العامة، وترك لكل حاكم أن يطبقها على حسب زمانه ومكانه، أما أصحاب الرأيين الآخرين فقد أفتوا لعصرهم ومكانهم فالرأى القائل بأن المحرم من الاحتكار ما يكون فى الطعام فقط، وهو قول مالك فقد نظر إلى ما كان احتكاره فى مجتمعه به مضرة راجحة بالناس فما وجد إلا الطعام، لأن وقودهم كان الحطب، وهو شائع لا يتصور احتكاره، وكذا دواؤهم من الأعشاب، وغذاء بهائمهم من الرعى فى المرعى الطبيعى، أما القول بأنه فى أقوات الناس والبهائم، فهو قول جماعة من فقهاء العراق لأن البهائم عندهم علوفة لا رعوية فأمكن احتكار طعامها، فكأن جميع الفقهاء فى الواقع قد قاسوا على قول أصحاب الرأى الأول.
صور جديدة للاحتكار:
ونحن إذ طبقنا قاعدة منع الاحتكار فيما يلحق منعه عن الناس الضرر المعتبر، والعنت بهم لأمكننا أن نعد سلعا كثيرة ما عدها القدماء، وما عرفوها، وهى اليوم من ضرورات الحياة، ومن ذلك الأدوية الحديثة، وأحد صور احتكار فيها تلك الأدوية التى تملك حقوقها الشركات، والتى تنتج بمعرفتها، وبترخيص منها، فهذه الصورة من الاحتكار لم تعرفها المجتمعات قبل المعاصرة، وتحتاج لضبط حكومى لمنع الاستغلال، وقد رأينا أن فى شريعتنا ما يسمح بذلك.
ولا يمكن أن ننهي هذا المبحث من غير أن نعرج على سؤال من يتولى عملية الإنتاج: الدولة، أم الأفراد، وهو سؤال سببه ظهور المذاهب الاشتراكية، وقد تباينت الإجابة على هذا السؤال عبر المائة سنة الأخيرة بشكل لافت، فقبل عقد سبعينيات القرن الماضى (العشرين) كانت الإجابة أن الإسلام يميل إلى توسع الدولة فى عملية الإنتاج، وتولى قيادتها حتى استبد الحماس لهذا الرأى بأمير الشعراء أحمد شوقى فقال مخاطبا النبى (ص): "الاشتراكيون أنت إمامهم" وممن مال لهذا الرأى الشيخ مصطفى السباعى فى كتابه "اشتراكية الإسلام"، والأستاذ "سيد قطب" فى أعماله المبكرة مثل كتابه "السلام الاجتماعى فى الإسلام"، ولا يمكن عزل ذلك عن رواج الفكرة الاشتراكية الهائل فى الثلثين الأوليين من القرن العشرين، واتساع النظرة إليها بين شعوب الجنوب تحديدا باعتبارها المخلص من التخلف والفقر والظلم الاجتماعى، وقد كان ذلك حتى تبدلت النظرة لها مع انكسارات المعسكر الشرقى، وانهيار الاتحاد السوفيتى، فتغيرت آراء الإسلاميين، وصار الإسلام من وجهة نظرهم رأسماليا يدعم اقتصاد السوق، وحرية التجارة، وذلك دليل على أن الرأيين لم يكونا مؤسسين على استدلال شرعى معتبر، وإنما محاولات لإلباس الأفكار الغربية رداء الإسلام بلى أعناق الأدلة، ومن ينظر للمجتمع المسلم فى عصر النبوة، والخلافة الراشدة لا يشك أن الملكية الفردية كانت الأساس للمجتمع، وأن النشاط الاقتصادى للأفراد المؤسس على العرض والطلب هو المحرك الرئيسى للاقتصاد، وأن جل أبواب الفقه الإسلامى فى مسائل المعاملات تنظم مجتمعا قائما على ملكية الأفراد، ونشاطهم بالرغم من ذلك نجد حضورا قويا لفكرة الملكية العامة لوسائل الإنتاج، فبعد فتح المسلمين لعدد من البلدان الزراعية استقر رأى الصحابة فى عهد عمر بعد مشاورات على أن تكون جميع أراضى البلدان المفتوحة الزراعية ملكا للدولة، وأن يقر أصحابها قبل الفتح عليها على أن يؤدوا خراجا لبيت المال، وكانت العلة التى دفعت عمر لهذا الرأى، وأقنعت به غيره من الصحابة هو أنه رأى أن لمن سيجئ من المسلمين بعد جيل الفاتحين ممن يدخل فى الإسلام حق فى هذا المال، واستدل بالآية القرآنية: "وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ" وقد جاءت الآية معطوفة على من لهم حق فى الفئ من المهاجرين والأنصار، فنظر عمر فى ذلك إلى مصلحة المسلمين لا فى عصره فقط، بل فى العقود والقرون التالية، وكان قرار عمر بموافقة الصحابة أساس ما عرف فى الإسلام بأرض الخراج المملوكة للدولة، والتى ظلت كذلك قرونا حتى وزعها السلاطين والأمراء فى أقطار العالم الإسلامى على الأفراد بيعا أو إقطاعا على مدى القرون.
مما سبق يتضح أن امتلاك أدوات الإنتاج فى الإسلام لا يخضع لتفضيل أيدلوجى، ولكن لاعتبارات المصلحة، فإذا كان من مصلحة الدولة أن تحتفظ بثروة قومية معينة، أو أن تؤمم صناعة ما لاعتبارات الأمن القومى فذلك مما يباح، أما إذا كان ذلك بغرض الإضرار بفئة اجتماعية انتقاما أو خوفا من نفوذها على سلطة من بيده السلطان فذلك مما يحظر طبقا لقاعدة "تصرف الإمام فيما يلى مقيد بالمصلحة"، لكن يجب مراعاة حقوق الملاك والملكيات القائمة عند صدور هكذا قرارات، فأى نزع للملكية فى الشريعة الإسلامية لا يكون إلا من خلال عقد بيع بالسعر المجزى للبائع، ولا يحتج بما فعل عمر فى مسألة الأرض المفتوحة عنوة لأنه اعتبر أن ملكيتها آلت للمسلمين غنيمة حرب، وهذا لا ينطبق على أموال المسلمين وأهل الذمة.  

7- المرونة، والعملية
تتأسس هذه القاعدة على قاعدة أخرى أعم هى أيضا من أصول القواعد الفقهية التى اعتبرها علماء الشريعة أساسا لتشريعاتها، وهى قاعدة "المشقة تجلب التيسير" أوب صياغة أخرى "رفع الحرج"
وتتأسس هذه القاعدة على الآية القرآنية " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" والحرج هو الضيق.
وكذلك تتأسس على قول النبى (ص): "إن هذا الدين يسر".
وتفسير ذلك أنه كلما تحققت المشقة أتت الشريعة بالرخصة لرفعها.
وتجليات هذه القاعدة فى التشريعات الإسلامية المتعلقة بالنشاط الاقتصادى عديدة منها:
أ- إباحة بيع السلم، وهو تعجيل دفع الثمن للبائع على أن تكون السلعة دينا فى ذمته وهذه رخصة لحاجة الناس للتعامل به لتوفير السيولة ولذلك سماه بعض العلماء "بيع المفاليس".
وبيع السلم مستثنى من تحريم بيع المعدوم، وبيع الإنسان ما ليس عنده، ولكن وضع العلماء شروطا تضمن تقليل الغرر والمخاطرة، وجعلهما فى الحد المقبول، وذلك موافق لقاعدة تقليل المخاطر، وللنهى الشرعى عن بيع الغرر.
فمن شروطهم:
- أن يحدد المتعاقدان فى إتفاقهما الشئ المسلم فيه بقدره إن كان كيلا أو وزنا أو عددا، وصفته على نحو لا يقضى للمنازعة.
- أن يحدد الثمن بدقة.
- أن يحدد الأجل بدقة.
- أن يكون الشئ المسلم فيه من المكال والموزون، أو العدد المتقارب كالجوز، والبيض (الذى لا تتباين الصفات بين أفراده بشكل مؤثر)، أو مما يمكن ضبط صفته بدقة لا تفضى للمنازعة، ولا يكون فيها الغرر الظاهر، وهذه القاعدة متفق عليها، ولكن تطبيقها مختلف فيه فربما وجد فقيه أن سلعة ما يمكن ضبط صفتها على النحو المذكور فيجيز التعامل فيها بالسلم، ويرى غيره عكس ذلك فلا يجيز، فالاختلاف فى ذلك اختلاف فى التقدير.
- أن تكون السلعة المسلم فيها موجودة فى الأسواق ساعة العقد، ويتوقع أن تكون موجودة طول مدة الأجل حتى موعد التسليم هذا عند الأحناف، وعند الشافعية يكفى أن يكون من المتوقع وجودها فى موعد التسليم، وهذه الشروط تهدف إلى التقليل من خطر العجز عن التسليم.
- أن تكون السلعة والثمن مما يجوز بيعهما بالأجل ولا يكونا من الأصناف التى يحرم فيها النساء (أى البيع بالأجل) تجنبا للسقوط فى ربا النساء، وقد فصلنا ذلك سابقا.
ب- إباحة الإجارة عند العلماء إلا خلافا شاذا لا يؤثر فى الإجماع، وفى ذلك رخصة باستثنائها من النهى عن بيع المعدوم، لأن الإجارة بيع للمنافع، وهى معدومة عند التعاقد، وذلك لحاجة الناس الملحة للاستئجار العقار، والأرض، والأشياء، والأشخاص، حتى أن المشقة تلحق بالناس بمنعها فأتى الشرع بالتيسير، ودليل ذلك تعامل الناس فى عصر النبى () من غير إنكاره مع شيوع ذلك بينهم، فكان إقرار منه وتعامل الصحابة فيه من غير إنكار أحدهم فكان إجماعا منهم.
ج- إباحة المضاربة، وهى الإجارة على العمل فى المال، واستثماره بنصيب من الربح، وهذا استثناء من الأمر النبوى: "من استأجر أجيرا فليعلمه أجره"، ومن النهى عن الضرر، لأن الربح غير معلوم قيمة، فيكون فى الأجرة بعض الضرر، ولكن منع المضاربة فيه حرج على الأفراد والمجتمعات، لأنه ليس كل من يملك المال بقادر على استثماره بنفسه فلولا المضاربة لترك عدد كبير من الناس استثمار أموالهم واستهلكوها حتى تفنى، وللحق المجتمع حرج بتعطيل جزء كبير من ثروته.
د- إباحة المزارعة عند كثير من العلماء، وهى إيجار الأرض للزراعة ببعض الناتج منها، وفى ذلك رخصة باستثنائها من النهى عن الضرر، لأن مقادير ما تغله الأرض غير معلوم وقت العقد، وذلك لحاجة الناس إليها، فليس كل مزارع يملك أرضا، وليس أكثر المزارعين بقادرين على إيجار الأرض بمال معلوم، لأن الغالب عليهم الفقر، فترخص كثير من العلماء فى إباحة المزارعة، واستدلوا لذلك بأن أكثر الصحابة قد أباحوها، ولم يرد النهى عنها إلا فى أحاديث رافع بن خديج المعروفة فى هذا الباب، وهذه الأحاديث لها العديد من الروايات المختلفة الألفاظ والمتباينة طولا واختصارا، وللفقهاء حسب مذاهبهم طرق مختلفة فى فهمها وتأويلها، وليس ذلك موضع مناقشتها، فمن أراد التوسع فى المسألة فيطلبها فى مظانها.
ونلاحظ أن قاعدة المشقة تجلب التيسير أو "رفع الحرج" قريبة من قاعدة إزالة الضرر، ولكنها تتعلق بنوع واحد من الضرر، وهو المشقة الناتجة عن تطبيق بعض الأحكام الشرعية، فتدخل الرخص لرفع هذه المشقة، وإزالة هذا الضرر.

السبت، 21 يوليو 2012

رؤية الإسلام للإنسان ووظيفة أعمار الأرض


يقول الله تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"
وردت هذه الجملة فى سياق القرآن على لسان النبى صالح(عليه السلام) يذكر بها قومه بنعم الله عليه، وقد اختلفت أقوال المفسرين فى معنى الاستعمار فى الأرض فى هذه الآية، والذى نرجحه من أقوالهم أنها بمعنى أنشأكم من الأرض لكى تعمروها بنشاطكم فى بناء ما تحتاجون إليه من مساكن، وزراعة ما تأكلونه من نبات، وما يجرى هذا المجرى، وإنما رجحنا ذلك بدلالة القرآن نفسه إذ ورد فى سياق نفس القصة، ولكن فى سورة أخرى كلام النبى صالح بألفاظ أخرى هى "وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً" والقرآن يفسر بعضه بعضا.
وهذه الآية على هذا التأويل قد أوجزت النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهى النظرية التى فصلتها عشرات النصوص القرآنية والنبوية الأخرى.
فأول شروط الإعمار هو الحفاظ على الموارد الأساسية التى فى بقاؤها بقاء الجنس البشرى – المعمر -، وإمكانية استمراره فى أداء رسالته، وقد نبه القرآن على هذا الشرط على ما سنبين.
تنبيه القرآن على أهمية الموارد الاقتصادية، وضرورة الحفاظ عليها:
يذكر الله – تعالى – فى كتابه بنى آدم بنعمه فى توفير الموارد الطبيعية، وتهيئتها للاستغلال البشرى، وتهيئة قدرات الإنسان البدنية والعقلية لاستغلالها فى نصوص موجزة وأخرى مفصلة، فمن النصوص الجامعة الموجزة قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً"
ومن النصوص التى عدد الله فيها بعض هباته تفصيليا "أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ {6} وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ {7} تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ {8} وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ {9} وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ {10} رِزْقاً لِّلْعِبَادِ"
ويقول: "‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ"
وينبه على نعمة المياه التى هى أصل الحياة بقوله: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ"
ويقول: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ"
وأمثال ذلك كثير فى كتاب الله وينبه القرآن كذلك على تهيئة الإنسان للاستفادة من هذه الموارد: "وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ"
ولكن القرآن ما اكتفى بذلك، وإنما نبه على التوازن الدقيق الذى خلقه فى البيئة فيقول: "وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"
ويقول: "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً {25} أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً"
والعمل على تدمير هذا التوازن هو من عمل الشيطان، لأنه داخل فى تغيير خلق الله، وهو محرم، ومن جملة ما يريده الشيطان من ابن آدم فيقول متوعدا البشر كما جاء فى سورة النساء "وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ"
والقرآن يحذر من الإسراف فى استغلال الموارد والثروات الطبيعية فى عدة مواضع منها قوله تعالى "وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ"
ويقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ"
والإسراف من ضمن معانى الاعتداء المنهى عنه هنا، يدل على ذلك نهى النبى () عن الاعتداء فى الوضوء أى الإسراف فيه فسمى () الإسراف اعتداء، وهو النهى الذى ورد فى حديث آخر فى التنبيه على عدم الإسراف "ولو كنت على نهر جار" مما يدل على حرص الإسلام على إرشاد أتباعه لاستخدام الموارد الطبيعية بالرشادة اللازمة.
الإشارة القرآنية للأنشطة الاقتصادية المختلفة
وثانى شروط الإعمار هو العمل على استثمار هذه الموارد بما يعود بالنفع على الإنسان نفسه, وأهله, وذوى رحمه, وجيرانه, وأمته, والإنسانية جميعا, وذلك من خلال النشاط الاقتصادي الهادف الى خلق المنافع مثل الزراعة, وتربية الحيوانات, والصيد, والصناعة, أو النشاط الهادف المتبادل النافع للمصالح كالبيع, والإجارات, والمزارعة, والمضاربة, ونحو ذلك, وجميع هذه الأنشطة مباحة شرعا وممارستها فى إجمالها فرض كفاية كما أوضح المحققون من العلماء, فإذا نهض بكل صناعة, ومهنة من يكفون الناس حاجتهم لها سقط الفرض عن الباقيين, و إلا أتموا جميعا, ثم هى بعد الإتيان بحد الكفاية مندوب إليها فى حق كل مكلف مستطيع, إذ فى ذلك إعفاف النفس, والتوصل الى القيام بالقربات من زكاة وصدقات ونفع للناس, وقد نبه القرآن على مختلف الأنشطة الاقتصادية بما يفيد إباحتها, وينوه بنفعها, ففى الزراعة يقول الله تعالى:-
" وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {141}"
وفى ذكر الرعى يقول تعالى:
" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ {72} وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ {73}"
ويقول: " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ {10}"
ويقول فى الصيد:
" أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً"
ويقول:
" وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ "
ويقول فى الصناعة"
" وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ"
وفى هذه الآية تنبيه على أهمية الصناعة لأن السلاح, والآلات التى تنفع الناس لا تكون من الحديد إلا بتحويل صناعى, والحديد نفسه لا يوجد فى الأرض على هيئة صالحة للاستخدام فى أغراضه, وإنما يوجد على هيئة خام هش لا نفع فى ذاته, وإنما يستخرج منه الحديد بعملية صناعية كذلك.
ويقول فى البيع:
"وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ"
ويقول فى الإجارات على لسان العبد الصالح لموسى:- "على أن تأجرنى ثمانى حجج"
وكل هذه الأنشطة متساوية فى حلها, وإباحتها, وكذلك غيرها مما يستحدث مع تقدم الحضارة, وإنما يفضل نشاط نشاطا بما يحققه من فائدة, ونفع للناس, لذلك رجح الإمام محمد بن الحسن فى كتابه "الكسب" تفضيل الزراعة عن التجارة, لأن بها قوام الناس, وحياتهم أما التجارة فهى وإن كان فيها تنمية مال الأمة إلا أنها لا تنتج سلعة فى ذاتها, وقد ندب النبى (ص) الى الزراعة كما لم يندب لأى نشاط اقتصادى آخر, فقال (ص):-
" ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة, وما سرق منه له صدقة, وما أكل السبع منه فهو له صدقه, وما أكلت الطير فهو له صدقة, ولا يزورؤه أحد إلا كان له صدقة"
وفى الحديث دلالة على أن ثواب الصدقة لا يناله الزارع عما يطعم الحيوان العاشب من النبات المزروع بشكل مباشر, وإنما أيضا إذا صار هذا الحيوان فريسة لحيوان مفترس, فإن فى ذلك صدقة للزارع, وذلك يفهم من قوله "وما أكل السبع منه فهو له صدقة" والسبع لا يأكل النباتات لأنه لفظ يطلق فى اللغة على الأسد حقيقة, وعلى كل حيوان لاحم مجازا, ولا يطلق على العاشبات لا حقيقة لا حقيقية ولا مجازا.
هذا وقد حرص النبى (ص) على الندب الى إحياء الأرض غير المنزرعة فقال:- "من أحيى أرضا مواتا فهى له" وسواء كان ذلك من شرطه إذن الحاكم, أم ليس من شرطه على الخلاف المعروف فى المسألة إلا أن وجه الدلالة فى الحديث على ما ذكرتا ثابتة.
ونحن نتفق مع الإمام الشيبانى فيما ذهب إليه من أن الزراعة أفضل من التجارة فى المجمل, إلا أننا نؤكد أن ذلك قد يتغير باختلاف ظروف الزمان والمكان, ففى بلد ذات أرض بور, وموارد مائية محدودة وعدد سكان قليل, لكنها ذات موقع متميز على طرق التجارة قد تكون التجارة أكثر نفعا للسكان المحليين من زراعة أرض خبيثة لا تخرج ألا نكدا, وبصفة عامة وفإن تحديد المناسب من الأنشطة الاقتصادية فى كل بلد من البلدان خاضع لرأى الاقتصاديين والسياسيين بالدرجة الأولى, وهو من باب:- "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
غير أن بعض قليلى الفقه ممن لهم علم بألفاظ الحديث دون معاينها قد ظنوا أن الزراعة مكروهة لحديث التجارى عن النبى (ص) أنه دخل بيتا فيه آلة زرع فقال:- "ما دخل هذا على أهل بيت إلا أيتلاهم الله بالذل".
وما ذكرنا سابقا من صحيح النصوص يدفع الظن بأن المراد من حديث النبى (ص) الأخير النهى عن الزراعة على وجه التحريم أو على وجه الكراهه, والمعلوم الى حد التواتر بين أهل العلم بالسنة والسيرة أن الزراعة كانت المهنة الأساسية للأنصار – السكان الأصليين للمدينة – زمن النبى (ص), وقد مارسها بحضرته عدد من أكابر الصحابة, والنبى (ص) كانت نفقته فى آخر حياته من أرض فدك وسهمه بخيبر, وذلك بدفع أن تكون الزراعة منهيا عنها فى الشرع بأى معنى لأن النبى (ص) لا يأكل إلا طيبا, وقد قال:- "أنا أتقاكم لله".
وحديث البخارى الذى ذكرناه هو فى التفسير الراجح عندنا من باب قوله (ص):- "الولد مبخلة مجبنة" وما قصد به النبى (ص) الحكم بكراهية طلب الأولاد, وإنما قصد التنبيه على بعض ما قد يدفع إليه حسب الولد من مساوئ الأخلاق حتى يتم تجنبها, كذلك ينبه النبى (ص) على ما قد يؤدى إليه الانشغال فى الزراعة من السقوط فى مواطن الذل حتى يتجنب ذلك أهل الزراعة, فأهل الزراعة من أكثر الناس تعاملا بمعاملات قد يكون عاقبتها الغرم, وما يسببه من مذلة مثل بيع السلمر, فقد يتلف المحصول ولا يستطيع المزارع الوفاء بالتزاماته المادية, ولذلك نبه النبى (ص) المزارع لكى يحرص عند التعامل بهكذا عقود, ونبه المجتمع على ضرورة إيجاد الوسائل التى تحمى المزارعين من ضلع الدين.
ومن ذلك أيضا أن انشغال المزارعين بأعمال الحقول, وما تحتاجه من رعاية وخدمة يصرفهم عن الاهتمام بالجهاد والاستعداد له, ويخبرنا التاريخ أن أهل مصر وكثرتهم الساحقة كانت من المزارعين استقبلوا أمر محمد على باشا بالتجنيد الاجبارى للشباب بالحمق, ومحاولة التهرب ما استطاعوا لذلك سبيلا بسبب احتياج الأرض لمن يزرعها, لذلك نبه النبى (ص) أن العمل بالزراعة لا يجب ألا يشغلهم عن الاستعداد للجهاد لأنه "ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" كما أوضح النبى (ص) فى حديث آخر, وهذا التأويل الأخير الذى رجحه الإمام الشيبانى فى كتابه عن الكسب, ورجحه أكثر شراح الحديث, وقد بين الإمام أنه إذا اشتغل البعض بالزراعة والبعض بالجهاد كان فى عمل المزارع معاونة للمجاهد, وفى جهاد المجاهد حماية المزارع وأرضه, وهذا من صور التعاون بين أبناء الأمة على البر والتقوى.
بقى أن نذكر أن الإسلام لم يحث الناس على ممارسة الأنشطة الاقتصادية بوسائل الندب المباشر فقط, بل من خلال ندبهم إلى ما ينفعهم للعمل والاكتساب, وترك الكسل والخمول, نحث على الزواج, وطلب الأولاد, ولما كان الإنفاق على الأهل والأولاد, وعدم تركهم فريسة للحاجة من الغرائز النفسية, والأوامر الشرعية, والأحكام القضائية كان فى الحث على الزواج وطلب الولد أكبر حافز يدفع الكسول الى العمل الجاد, وقد لا يستجيب من كان فى طبعه خمول إلى الأمر المباشر بالعمل لما في ذلك من تعب, ومشقه, لكنه قد يستجيب للأمر بالنكاح لما فيه فى أول الأمر من متعة وشهوة, وبعد ذلك تدفعه الالتزامات العائلية للسير فى درب العمل, وما كان ليسلكه لولا ذلك, وذلك من حقائق الحكمة الإلهية فى التشريع الإسلامى, وفيها خير دليل على صدوره عن السميع العليم الخبير, والندب للزواج والإنجاب معروف مشهور, من ذلك ما أخبر به النبى (ص) أن النكاح سنته فقال:- "أما أنا فأصوم وأصلى وأفطر, وأقوم وأرقد, وأنكح النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى" وقال (ص):- "تناكحوا تناسلوا فإنى مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"
لذلك كان الزواج عند أكثر أهل العلم أفضل من التخلى للعبادة خلافا للشافعى.
غير أن الناس فى ضربهم فى الأرض واستثمارهم مواردها, وثرواتها التى سخرها الله لهم لم يتركوا سدى, بل وضع الشرع لهم ضوابط تضمن ألا يعتدى بعضهم بعض, ولا يظلم بعضهم بعضا, ذلك أن شهوة الإنسان مطبوعة على حسب الإزدياد من الثروات, يقول تعالى:-
" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ"
وقد ركب الله هذه الشهوات فى الإنسان لضرورتها فى بقاء النسل, وتطور الحضارة إلا أنها لو تركت لحال سبيلها لدفعت الناس إلى أن يبغى بعضهم على بعض, ويورث ذلك بعضهم عداء لبعضهم وأحقادا, فينال جزء منهم أولا شر لتعرضهم للظلم والاستغلال من الأقوياء, ثم ينال الناس جميعا شر لاحق سببه رد فعل هؤلاء المظلومين, وسعيهم للانتقام, فيقع الشر بين الناس, وتتردى الحضارة, من هنا تتضح أهمية هذه الضوابط, وهى أنها ضمانة لاستمرار دور الإنسان فى إعمار الأرض بنجاح.
ضوابط للنشاط الإقتصادى فى الشريعة الإسلامية
تهدف هذه الضوابط إلى ضمان تأسيس النشاط الاقتصادى على مبدأ العمل, ويجمعها قول الله تعالى:- " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
وكل المحرمات الشرعية فى أبواب المعاملات الإقتصادية تفصيل لهذا الباطل
ولكن يجب أن تشيره أولا أن منع الآية أكل مال المؤمنين بالباطل لا يعنى أن مال غير المسلمين مباح على هذا الوجه, فهذا وجه فاسد من التأويل ما صدر عن أحد من أهل العلم والتفسير, وإنما ننبه لذلك لأنه قد يتبادر إلى ذهن من لا علم له بقواعد التفسير, وأصول الفقه, وإنما لمال غير المسلم حرمته إلا أن يكون محاربا, فيحل ماله على سبيل الغنيمة التى أحلها الله لهذه الأمة فى الحروب, وقد قال الله تعالى:-" إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"
فكل أكل للمال بالباطل فاحشة محرمة فى ذاتها دون النظر لصاحب المال المأكول.
وقال النبى (ص):- " من ظلم ذميا, أو أنتقصه حقه, أو حمله فوق ما يطيق, أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة"
وإنما خص النبى (ص) أموال المؤمنين بالذكر فى الآية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
لأن المسلمين هم غالبية سكان البلد المسلم, وأموالهم أغلب الأموال فخرج الغالب مخرج الكل فى هذه الآية, وهو مسلك معروف فى النصوص الإسلامية مثل قول النبى (ص) فى زكاة الابل:- وفى خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين"
فأراد ببنت المخاض الناقة التى أكملت عامها الأول، ودخلت فى الثانى، وبنت اللبون التى أكملت عامها الثانى ودخلت فى الثالث، وليس شرطا أن يكون بأم الأولى مخاض، أو بأم الثانية لبن، ولكن لما كان الغالب أن يكون ذلك، فقد أطلق العرب هذين الاسمين على الإبل فى عامها الثانى والثالث.
ونحن إذا فحصنا جميع الممارسات والمعاملات المادية التى جاءت الشريعة بالنهى عنها وجدناها تنحصر فى ثلاثة أمور:
1- المعاملات الربوية، والتى هذه ذريعة للربا.
2- المعاملات المحرمة لشبهة الغبن، وهى على أنواع:
أ- ما يكون الغبن فيه من جهة الغرر.
ب- ما يكون الغبن فيه من جهة الضرر.
ج- ما يكون الغبن فيه من جهة المخاطرة.
د- ما يكون الغبن فيه من جهة الشروط الفاسدة.
3- المعاملات المحرمة لسبب فى السلعة نفسها.
ونحن مدينون بأصل هذا التقسيم لفيلسوف الفقهاء ابن رشد الحقيد، وذلك فى كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد و إن كنا أدخلنا عليه تعديلا واضحا.