يقول
الله تعالى: "هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ
فِيهَا"
وردت
هذه الجملة فى سياق القرآن على لسان النبى
صالح(عليه السلام) يذكر
بها قومه بنعم الله عليه، وقد اختلفت
أقوال المفسرين فى معنى الاستعمار فى
الأرض فى هذه الآية، والذى نرجحه من
أقوالهم أنها بمعنى أنشأكم من الأرض لكى
تعمروها بنشاطكم فى بناء ما تحتاجون إليه
من مساكن، وزراعة ما تأكلونه من نبات،
وما يجرى هذا المجرى، وإنما رجحنا ذلك
بدلالة القرآن نفسه إذ ورد فى سياق نفس
القصة، ولكن فى سورة أخرى كلام النبى صالح
بألفاظ أخرى هى "وَبَوَّأَكُمْ
فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا
قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ
بُيُوتاً" والقرآن
يفسر بعضه بعضا.
وهذه
الآية على هذا التأويل قد أوجزت النظرية
الاقتصادية الإسلامية، وهى النظرية التى
فصلتها عشرات النصوص القرآنية والنبوية
الأخرى.
فأول
شروط الإعمار
هو الحفاظ على الموارد الأساسية التى فى
بقاؤها بقاء الجنس البشرى – المعمر -،
وإمكانية استمراره فى أداء رسالته، وقد
نبه القرآن على هذا الشرط على ما سنبين.
تنبيه
القرآن على أهمية الموارد الاقتصادية،
وضرورة الحفاظ عليها:
يذكر
الله – تعالى – فى كتابه بنى آدم بنعمه
فى توفير الموارد الطبيعية، وتهيئتها
للاستغلال البشرى، وتهيئة قدرات الإنسان
البدنية والعقلية لاستغلالها فى نصوص
موجزة وأخرى مفصلة، فمن النصوص الجامعة
الموجزة قوله تعالى: "هُوَ
الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ
جَمِيعاً"
ومن
النصوص التى عدد الله فيها بعض هباته
تفصيليا "أَفَلَمْ
يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ
كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا
وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ {6}
وَالْأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا
رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ
زَوْجٍ بَهِيجٍ {7} تَبْصِرَةً
وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ {8}
وَنَزَّلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا
بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ {9}
وَالنَّخْلَ
بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ {10}
رِزْقاً لِّلْعِبَادِ"
ويقول:
" أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا
عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ
لَهَا مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا
لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا
يَأْكُلُونَ"
وينبه
على نعمة المياه التى هى أصل الحياة بقوله:
"وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ"
ويقول:
"أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي
الْأَرْضِ"
وأمثال
ذلك كثير فى كتاب الله وينبه القرآن كذلك
على تهيئة الإنسان للاستفادة من هذه
الموارد: "وَاللّهُ
أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ
الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ"
ولكن
القرآن ما اكتفى بذلك، وإنما نبه على
التوازن الدقيق الذى خلقه فى البيئة
فيقول: "وَالأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا
رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ
شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"
ويقول:
"أَلَمْ نَجْعَلِ
الْأَرْضَ كِفَاتاً {25} أَحْيَاء
وَأَمْوَاتاً"
والعمل
على تدمير هذا التوازن هو من عمل الشيطان،
لأنه داخل فى تغيير خلق الله، وهو محرم،
ومن جملة ما يريده الشيطان من ابن آدم
فيقول متوعدا البشر كما جاء فى سورة النساء
"وَلآمُرَنَّهُمْ
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ"
والقرآن
يحذر من الإسراف فى استغلال الموارد
والثروات الطبيعية فى عدة مواضع منها
قوله تعالى "وكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ"
ويقول
تعالى: "يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ
اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ"
والإسراف
من ضمن معانى الاعتداء المنهى عنه هنا،
يدل على ذلك نهى النبى ()
عن الاعتداء فى
الوضوء أى الإسراف فيه فسمى ()
الإسراف اعتداء،
وهو النهى الذى ورد فى حديث آخر فى التنبيه
على عدم الإسراف "ولو
كنت على نهر جار" مما
يدل على حرص الإسلام على إرشاد أتباعه
لاستخدام الموارد الطبيعية بالرشادة
اللازمة.
الإشارة
القرآنية للأنشطة الاقتصادية المختلفة
وثانى
شروط الإعمار هو العمل على استثمار هذه
الموارد بما يعود بالنفع على الإنسان
نفسه, وأهله,
وذوى رحمه,
وجيرانه,
وأمته,
والإنسانية جميعا,
وذلك من خلال النشاط
الاقتصادي الهادف الى خلق المنافع مثل
الزراعة, وتربية
الحيوانات, والصيد,
والصناعة,
أو النشاط الهادف
المتبادل النافع للمصالح كالبيع,
والإجارات,
والمزارعة,
والمضاربة,
ونحو ذلك,
وجميع هذه الأنشطة
مباحة شرعا وممارستها فى إجمالها فرض
كفاية كما أوضح المحققون من العلماء,
فإذا نهض بكل صناعة,
ومهنة من يكفون
الناس حاجتهم لها سقط الفرض عن الباقيين,
و إلا أتموا جميعا,
ثم هى بعد الإتيان
بحد الكفاية مندوب إليها فى حق كل مكلف
مستطيع, إذ
فى ذلك إعفاف النفس, والتوصل
الى القيام بالقربات من زكاة وصدقات ونفع
للناس, وقد
نبه القرآن على مختلف الأنشطة الاقتصادية
بما يفيد إباحتها, وينوه
بنفعها, ففى
الزراعة يقول الله تعالى:-
"
وَهُوَ الَّذِي
أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ
مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ
مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا
أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ
حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ
لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ {141}"
وفى
ذكر الرعى يقول تعالى:
"
أَوَلَمْ يَرَوْا
أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ
أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا
مَالِكُونَ {71} وَذَلَّلْنَاهَا
لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا
يَأْكُلُونَ {72} وَلَهُمْ
فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا
يَشْكُرُونَ {73}"
ويقول:
" هُوَ
الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ
فِيهِ تُسِيمُونَ {10}"
ويقول
فى الصيد:
"
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ
وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ
صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً"
ويقول:
"
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ
"
ويقول
فى الصناعة"
"
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ"
وفى
هذه الآية تنبيه على أهمية الصناعة لأن
السلاح, والآلات التى تنفع
الناس لا تكون من الحديد إلا بتحويل صناعى,
والحديد نفسه لا يوجد فى الأرض
على هيئة صالحة للاستخدام فى أغراضه,
وإنما يوجد على هيئة خام هش
لا نفع فى ذاته, وإنما
يستخرج منه الحديد بعملية صناعية كذلك.
ويقول
فى البيع:
"وَأَحَلَّ
اللّهُ الْبَيْعَ"
ويقول
فى الإجارات على لسان العبد الصالح لموسى:-
"على أن تأجرنى ثمانى حجج"
وكل
هذه الأنشطة متساوية فى حلها, وإباحتها,
وكذلك غيرها مما يستحدث مع
تقدم الحضارة, وإنما يفضل
نشاط نشاطا بما يحققه من فائدة, ونفع
للناس, لذلك رجح الإمام
محمد بن الحسن فى كتابه "الكسب"
تفضيل الزراعة عن التجارة,
لأن بها قوام الناس, وحياتهم
أما التجارة فهى وإن كان فيها تنمية مال
الأمة إلا أنها لا تنتج سلعة فى ذاتها,
وقد ندب النبى (ص)
الى الزراعة كما
لم يندب لأى نشاط اقتصادى آخر,
فقال (ص):-
"
ما من مسلم يغرس
غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة,
وما سرق منه له
صدقة, وما
أكل السبع منه فهو له صدقه, وما
أكلت الطير فهو له صدقة, ولا
يزورؤه أحد إلا كان له صدقة"
وفى
الحديث دلالة على أن ثواب الصدقة لا يناله
الزارع عما يطعم الحيوان العاشب من النبات
المزروع بشكل مباشر, وإنما
أيضا إذا صار هذا الحيوان فريسة لحيوان
مفترس, فإن
فى ذلك صدقة للزارع, وذلك
يفهم من قوله "وما
أكل السبع منه فهو له صدقة"
والسبع لا يأكل
النباتات لأنه لفظ يطلق فى اللغة على
الأسد حقيقة, وعلى
كل حيوان لاحم مجازا, ولا
يطلق على العاشبات لا حقيقة لا حقيقية
ولا مجازا.
هذا
وقد حرص النبى (ص)
على الندب الى إحياء
الأرض غير المنزرعة فقال:- "من
أحيى أرضا مواتا فهى له" وسواء
كان ذلك من شرطه إذن الحاكم, أم
ليس من شرطه على الخلاف المعروف فى المسألة
إلا أن وجه الدلالة فى الحديث على ما ذكرتا
ثابتة.
ونحن
نتفق مع الإمام الشيبانى فيما ذهب إليه
من أن الزراعة أفضل من التجارة فى المجمل,
إلا أننا نؤكد أن
ذلك قد يتغير باختلاف ظروف الزمان والمكان,
ففى بلد ذات أرض
بور, وموارد
مائية محدودة وعدد سكان قليل,
لكنها ذات موقع
متميز على طرق التجارة قد تكون التجارة
أكثر نفعا للسكان المحليين من زراعة أرض
خبيثة لا تخرج ألا نكدا, وبصفة
عامة وفإن تحديد المناسب من الأنشطة
الاقتصادية فى كل بلد من البلدان خاضع
لرأى الاقتصاديين والسياسيين بالدرجة
الأولى, وهو
من باب:- "أنتم
أعلم بشؤون دنياكم".
غير
أن بعض قليلى الفقه ممن لهم علم بألفاظ
الحديث دون معاينها قد ظنوا أن الزراعة
مكروهة لحديث التجارى عن النبى (ص)
أنه دخل بيتا فيه
آلة زرع فقال:- "ما
دخل هذا على أهل بيت إلا أيتلاهم الله
بالذل".
وما
ذكرنا سابقا من صحيح النصوص يدفع الظن
بأن المراد من حديث النبى (ص)
الأخير النهى عن
الزراعة على وجه التحريم أو على وجه
الكراهه, والمعلوم
الى حد التواتر بين أهل العلم بالسنة
والسيرة أن الزراعة كانت المهنة الأساسية
للأنصار – السكان الأصليين للمدينة –
زمن النبى (ص),
وقد مارسها بحضرته
عدد من أكابر الصحابة, والنبى
(ص) كانت
نفقته فى آخر حياته من أرض فدك وسهمه
بخيبر, وذلك
بدفع أن تكون الزراعة منهيا عنها فى الشرع
بأى معنى لأن النبى (ص)
لا يأكل إلا طيبا,
وقد قال:-
"أنا أتقاكم
لله".
وحديث
البخارى الذى ذكرناه هو فى التفسير الراجح
عندنا من باب قوله (ص):-
"الولد مبخلة
مجبنة" وما
قصد به النبى (ص)
الحكم بكراهية طلب
الأولاد, وإنما
قصد التنبيه على بعض ما قد يدفع إليه حسب
الولد من مساوئ الأخلاق حتى يتم تجنبها,
كذلك ينبه النبى
(ص) على
ما قد يؤدى إليه الانشغال فى الزراعة من
السقوط فى مواطن الذل حتى يتجنب ذلك أهل
الزراعة, فأهل
الزراعة من أكثر الناس تعاملا بمعاملات
قد يكون عاقبتها الغرم, وما
يسببه من مذلة مثل بيع السلمر,
فقد يتلف المحصول
ولا يستطيع المزارع الوفاء بالتزاماته
المادية, ولذلك
نبه النبى (ص)
المزارع لكى يحرص
عند التعامل بهكذا عقود, ونبه
المجتمع على ضرورة إيجاد الوسائل التى
تحمى المزارعين من ضلع الدين.
ومن
ذلك أيضا أن انشغال المزارعين بأعمال
الحقول, وما
تحتاجه من رعاية وخدمة يصرفهم عن الاهتمام
بالجهاد والاستعداد له, ويخبرنا
التاريخ أن أهل مصر وكثرتهم الساحقة كانت
من المزارعين استقبلوا أمر محمد على باشا
بالتجنيد الاجبارى للشباب بالحمق,
ومحاولة التهرب ما
استطاعوا لذلك سبيلا بسبب احتياج الأرض
لمن يزرعها, لذلك
نبه النبى (ص)
أن العمل بالزراعة
لا يجب ألا يشغلهم عن الاستعداد للجهاد
لأنه "ما
ترك قوم الجهاد إلا ذلوا" كما
أوضح النبى (ص)
فى حديث آخر,
وهذا التأويل الأخير
الذى رجحه الإمام الشيبانى فى كتابه عن
الكسب, ورجحه
أكثر شراح الحديث, وقد
بين الإمام أنه إذا اشتغل البعض بالزراعة
والبعض بالجهاد كان فى عمل المزارع معاونة
للمجاهد, وفى
جهاد المجاهد حماية المزارع وأرضه,
وهذا من صور التعاون
بين أبناء الأمة على البر والتقوى.
بقى
أن نذكر أن الإسلام لم يحث الناس على
ممارسة الأنشطة الاقتصادية بوسائل الندب
المباشر فقط, بل
من خلال ندبهم إلى ما ينفعهم للعمل
والاكتساب, وترك
الكسل والخمول, نحث
على الزواج, وطلب
الأولاد, ولما
كان الإنفاق على الأهل والأولاد,
وعدم تركهم فريسة
للحاجة من
الغرائز النفسية, والأوامر
الشرعية, والأحكام
القضائية كان فى الحث على الزواج وطلب
الولد أكبر حافز يدفع الكسول الى العمل
الجاد, وقد
لا يستجيب من كان فى طبعه خمول إلى الأمر
المباشر بالعمل لما في ذلك من تعب,
ومشقه, لكنه
قد يستجيب للأمر بالنكاح لما فيه فى أول
الأمر من متعة وشهوة, وبعد
ذلك تدفعه الالتزامات العائلية للسير فى
درب العمل, وما
كان ليسلكه لولا ذلك, وذلك
من حقائق الحكمة الإلهية فى التشريع
الإسلامى, وفيها
خير دليل على صدوره عن السميع العليم
الخبير, والندب
للزواج والإنجاب معروف مشهور, من
ذلك ما أخبر به النبى (ص)
أن النكاح سنته
فقال:- "أما
أنا فأصوم وأصلى وأفطر, وأقوم
وأرقد, وأنكح
النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى"
وقال (ص):-
"تناكحوا تناسلوا
فإنى مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"
لذلك
كان الزواج عند أكثر أهل العلم أفضل من
التخلى للعبادة خلافا للشافعى.
غير
أن الناس فى ضربهم فى الأرض واستثمارهم
مواردها, وثرواتها
التى سخرها الله لهم لم يتركوا سدى,
بل وضع الشرع لهم
ضوابط تضمن ألا يعتدى بعضهم بعض,
ولا يظلم بعضهم
بعضا, ذلك
أن شهوة الإنسان مطبوعة على حسب الإزدياد
من الثروات, يقول
تعالى:-
"
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ"
وقد
ركب الله هذه الشهوات فى الإنسان لضرورتها
فى بقاء النسل, وتطور
الحضارة إلا أنها لو تركت لحال سبيلها
لدفعت الناس إلى أن يبغى بعضهم على بعض,
ويورث ذلك بعضهم عداء لبعضهم
وأحقادا, فينال جزء منهم
أولا شر لتعرضهم للظلم والاستغلال من
الأقوياء, ثم ينال الناس
جميعا شر لاحق سببه رد فعل هؤلاء المظلومين,
وسعيهم للانتقام, فيقع
الشر بين الناس, وتتردى
الحضارة, من هنا تتضح أهمية
هذه الضوابط, وهى أنها
ضمانة لاستمرار دور الإنسان فى إعمار
الأرض بنجاح.
ضوابط
للنشاط الإقتصادى فى الشريعة الإسلامية
تهدف
هذه الضوابط إلى ضمان تأسيس النشاط
الاقتصادى على مبدأ العمل, ويجمعها
قول الله تعالى:- " يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ"
وكل
المحرمات الشرعية فى أبواب المعاملات
الإقتصادية تفصيل لهذا الباطل
ولكن
يجب أن تشيره أولا أن منع الآية أكل مال
المؤمنين بالباطل لا يعنى أن مال غير
المسلمين مباح على هذا الوجه, فهذا
وجه فاسد من التأويل ما صدر عن أحد من أهل
العلم والتفسير, وإنما
ننبه لذلك لأنه قد يتبادر إلى ذهن من لا
علم له بقواعد التفسير, وأصول
الفقه, وإنما لمال غير
المسلم حرمته إلا أن يكون محاربا,
فيحل ماله على سبيل الغنيمة
التى أحلها الله لهذه الأمة فى الحروب,
وقد قال الله تعالى:-"
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ"
فكل
أكل للمال بالباطل فاحشة محرمة فى ذاتها
دون النظر لصاحب المال المأكول.
وقال
النبى (ص):- " من
ظلم ذميا, أو أنتقصه حقه,
أو حمله فوق ما يطيق, أو
أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم
القيامة"
وإنما
خص النبى (ص) أموال
المؤمنين بالذكر فى الآية "
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
لأن
المسلمين هم غالبية سكان البلد المسلم,
وأموالهم أغلب الأموال فخرج
الغالب مخرج الكل فى هذه الآية, وهو
مسلك معروف فى النصوص الإسلامية مثل قول
النبى (ص) فى
زكاة الابل:- وفى
خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين
فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين"
فأراد
ببنت المخاض الناقة التى أكملت عامها
الأول، ودخلت فى الثانى، وبنت اللبون
التى أكملت عامها الثانى ودخلت فى الثالث،
وليس شرطا أن يكون بأم الأولى مخاض، أو
بأم الثانية لبن، ولكن لما كان الغالب أن
يكون ذلك، فقد أطلق العرب هذين الاسمين
على الإبل فى عامها الثانى والثالث.
ونحن
إذا فحصنا جميع الممارسات والمعاملات
المادية التى جاءت الشريعة بالنهى عنها
وجدناها تنحصر فى ثلاثة أمور:
1- المعاملات الربوية،
والتى هذه ذريعة للربا.
2- المعاملات المحرمة
لشبهة الغبن، وهى على أنواع:
أ- ما
يكون الغبن فيه من جهة الغرر.
ب- ما
يكون الغبن فيه من جهة الضرر.
ج- ما
يكون الغبن فيه من جهة المخاطرة.
د- ما
يكون الغبن فيه من جهة الشروط الفاسدة.
3- المعاملات المحرمة
لسبب فى السلعة نفسها.
ونحن
مدينون بأصل هذا التقسيم لفيلسوف الفقهاء
ابن رشد الحقيد، وذلك فى كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد و إن كنا أدخلنا عليه تعديلا واضحا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق