الجمعة، 20 يوليو 2012

التوفيق بين التفكير العقلي و الإيمان: دراسة تراثية


و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"
وردت هذه الآية في معرض تعداد نعم الله تعالى على الإنسان، لبيان حق الله على الناس و دعوتهم للاعتراف بفضله، و مقابلتها بالشكر و العبادة، و مثلها في القرآن من هذه الناحية "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار و الأفئدة قليلا ما تشكرون"، وهي من جانب آخر توضح حكمة الخالق عز و جل ، فهو لما أراد أن يخلق إنسانا واعيا ، فقد أمده بآلات الإدراك ، والوعي، وهي الحواس الخمس التي يدرك بها العالم،و قد نبه الله بحاستي السمع والبصر على غيرهما لأن أهميتهما في تحقق العلم أكبر بكثير من غيرهما من الحواس، والأفئدة التي يعي بها معنى ما جمعته هذه الحواس من معلومات، و الأفئدة في القرآن تأتي غالبا بمعنى العقل ، و ذلك على عادة العرب في الكناية عن العقول بالقلوب.
كيفية الشكر على هذه النعم:
و إن من أول ما يشكر به الإنسان ربه على نعمة الحواس، والعقول هو أن يحسن استخدامها كما ينبغي من مخلوق عاقل واع ، فسائر الحيوانات لها أسماع قد تكون أرهف من سمع الإنسان بكثير، و لها أبصار قد تكون أحد من بصر الإنسان عدة مرات، و كذلك في سائر الحواس فقد يكون لها شم أقوى ، و حاسة لمس أكثر حساسية بكثير، لكن عقلها لا يستخدم هذه المعلومات إلا فيما جبلت عليه غرائزها من بحث عن طعام، أو جماع، أو هرب من الضواري، و الأعداء، فمن قنع من استخدام عقله بهذا الحد فقد احتقر نعمة الله عليه الذي جعل له عقلا أكثر تطورا بكثير، لذلك فإنه أسوأ من البهائم فالبهائم تستغل قدراتها الذهنية حتى حدها الأقصى، أما من كان على هذه الصفة من البشر ، فقد أهدر طاقة كبرى و نعمة عظمى تفضل بها عليه الله الكريم ، فهو أضل من الأنعام "لَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"
فللعقل البشري قدرات متقدمة جدا مقارنة بسائر الأنواع تمكنه من تحليل البيانات التي تجمعها الحواس المختلفة والربط بينها للخروج بنظريات تفسيرية لها، و ليس مجرد إدراك حدوثها ، كما أن للعقل قدرة على إدراك حقائق مجردة تقبلها الأفهام جميعا كمفاهيم عقلية لا تحتمل الخطأ (ككون الإثنين أكثر من الواحد) و كون الشيء أكبر من أجزائه، و نحو ذلك من المفاهيم الأولية التي لا يجادل في صحتها إلا ممار رغم عدم وجود برهان عليها ، فبرهانها الوحيد عدم تصور العقل غيرها، وهي التي تسمى البديهيات أو المفاهيم القبلية، وعلى خبرات الحواس تأسس الجانب من العلم المسمى بالعلم التجريبي، و من خلال الاستدلال المؤسس على البديهيات تشكل العلم المسمى بالبحت، وهو المنطق و الرياضيات و الفيزياء النظرية، وكلاهما رافدان مهمان لفهم العالم.. فحصول العلم -إذن- نتاج هذه الآلات التي تنتجه ، وهي الحواس و العقل ، فعلم الإنسان ليس علما اضطراريا إلهاميا أي يجعله الله بالقوة في النفس ، بل قد صرح القرآن في الآية الكريمة محل الدراسة أن الإنسان خلق لا يعلم شيئا من العلوم، وإنما هيأت له الآلات التي يحصل بها العلم.

الكلام واللغة، و دورهما في تحقق العلم:
لكن الإنسان الفرد لا يستطيع أن يبدأ في تحصيل كل العلوم من الصفر، وإلا ما تجاوزت الحضارة طور طفولتها المضحكة، فعمر الإنسان قصير جدا، لذلك كان هناك ضرورة لأن يحصل الإنسان ما عرفه البشر من قبله حتى يستفيد منه، ويبني عليه، وقد مكن الله للبشر اللغة و الكلام لكي يتمكنوا من تناقل الخبرة، و المعارف، والقرآن الكريم ينبهنا لأن نحصل العلم ممن يغلب الظن بكونهم من أهل العلم "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" كي تكون المعلومة موثوقة، و أهل الذكر سمتهم الآية بذلك كونهم المذكورين في الناس بالعلم المشتهرين بالخبرة في المسألة والإلمام بها، و القرآن ينبه المسلم للتعامل بحذر مع مصادر معلوماته "يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" ، أما المصادر التي يغلب احتمال الكذب عليها، فالقرآن ينهانا عن مجرد النقل عنها مثل حديث المنافقين بالإفك عن عائشة أم المؤمنين يقول الله فيه :"و لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم" ووفقا لهذا الهدي ،فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) يحذر "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع" ، أما المعرفة التي نحصل عليها ممن نعتقد كونهم من أهل الذكر ،فإننا يمكن أن نسلك تجاهها طريق الاعتناق الأعمى، وهو أسلوب المقلدين ، أو طريق النقل والتمحيص،و معرفة أدلة الأقوال ، وبراهين النظريات، و إخضاعها للاختبار بواسطة آلة العقل و آلياته وهو أسلوب المحققين، و الأول أسلوب مذموم في كتاب الله الذي أكثر من توضيح دوافع التقليد الأعمى، و استكارها، فيقول الله -سبحانه و تعالى- في سورة القمر: “ و كذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر" فقد يكون التقليد سببه الكسل العقلي ، والميل لاتباع الآراء الشائعة الرائجة المستقرة دون إعادة تفكير فيها، و قد يكون للشخص مصلحة متحققة في انتشار فكرة ما أو اعتناق الناس لعقيدة أو نظرية معينة ، لأن ذلك يحقق له مزية اجتماعية معينة أو مكسبا ماديا ، فيضله هواه عن البحث عن الحق، و إن جاء أمام عينيه فإنه لا يراه لأن الهوى قد غشاها، و إن علم من براهين قاطعة على صحة ما يعارض هواه فإن سمعه لا ينصت لها و عقله لا يتأملها، فينكر ما يعلم أنه لا وجه لإنكاره في العقل، و يحاجج عما يدرك بينه و بين نفسه هوان حجته ، و في ذلك يقول الله عز و جل " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه وجعل على بصره غشاوة"، وقد يكون السبب المبالغة في احترام القديم، و اتباع سنة الآباء و آثارهم ، و إن كانوا مخطئين، و من ذلك قول قوم إبراهيم الذي أنكره الله تعالى عليهم في كتابه عندما سألهم خليل الله عن حجتهم في عبادة الأصنام "ٌقالوا وجدنا آباءنا لها عابدين"، و قد يكون السبب غرور الإنسان بما يعرفه، فهو يظن معارفه التي نشأ عليها الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، و معتقداته اليقين الذي لا يقبل الشك ، و هذا من الكبر ، يقول الله عن هؤلاء "فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" ، أما أهل النقد و التحقيق، فهم يأخذون أنفسهم بالتثبت من المقولات، و وضعها موضع الاختبار حتى يتضح صحيحها من زائفها، فلا يدفعهم مجرد شيوع الفكرة، أو اعتناق الآباء والسادات لها إلى تصور أنها الحق، فكم من فكرة شائعة اتضح خطؤها ، مثل أن الشمس تدور حول الأرض، و كم من فكرة اعتنقها الآباء وهي بالية تافهة، وكم من سيد دافع عن استقرار عقيدة، أو نظرية رائجة لأن فيها استمرار سيادته، ,و هذا مسلك يؤيده القرآن الكريم، يقول الله -تعالى-: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" يمدحهم، ولا يعرف حسن القول من سيئه إلا بإعمال الفكر فيه نقدا و تمحيصا، و لقد أنكر القرآن الكريم إطلاق الآراء من غير دليل "اءتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين"، ذلك في معرض استكاره على مشركي العرب ما اتخذوه من أصنام ليس لديهم عليها حجة من كتاب نبي قامت الحجة بنبوته، أو بقية من علم و استدلال عقلي، وربما فهم بعض الناس من المسلمين ، وغيرهم من مدح القرآن للموقنين بالغيب، و ذمه الذين ارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون أن الإسلام لا يرحب بالعقل النقدي الذي لا يقبل الفكرة بغير أن يعرضها للاختبار، و من دون أن تقوم عليها البراهيين النظرية أو التجريبية، و ربما أسرفوا في مذمة العقل ، والتنويه بعجزه ، وقابليته للخطأ، و محدودية حدوده، ومع تسليمنا بذلك فإن العقل يظل الوسيلة الوحيدة لمعرفة الصواب من الخطأ على أساس موضوعي، فمن غير العقل لا يبقى سوى الحدس و الإيمان المبني على العاطفة، ونحو ذلك من وسائل يكون معها الصواب والخطأ معاني شخصية ، وتكون معها كل فكرة أو عقيدة أو نظرية صحيحة و حقا ، و في ذلك إبطال للدين و الشرع ، والقانون ، بل لمباديء الأخلاق ، و قواعد الاجتماع، وهو خطر على الحضارة البشرية ذاتها ، وهو خطر قديم ظهر مع السوفسطائيين الإغريق تصدى له المحققين من الحكماء.
معنى اليقين
إن اليقين في القرآن ليس مفهوما دوجمائيا ، يطرح كمجرد التعصب لآراء قاطعة لا تحتمل النقاش، بل هو المرحلة الأخيرة من رحلة فكرية تبدأ من النظر في الدلائل، و إدراكها بالحواس، ثم تدبرها والتفكر فيها ، ثم النظر في الشبهات، و المزاعم التي تعارض العقيدة ، وإدراك أوجه سقوطها ونواحي القصور فيها، فيتحقق في القلب الاطمئنان التام إلى صحة ما يعتنقه الإنسان ، هو النتاج النهائي لخبرة طويلة تبدأ بالنظر في آيات الكون "إن في خلق السماوات والليل، واختلاف الليل ، والنهار لآيات لأولي الألباب"
و في التعرف على النظام الدقيق الذي يحكم الكون مترامي الأطراف الذي لا تدرك أبعاده العقول:تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا"
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار كل في فلك يسبحون"
او في تدبير أسباب الحياة على الأرض:
و آية لهم الأرض الميتة أحييناها و أخرجنا منه حبا فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل و أعناب و فجرنا فيها من العيون"
أو في التنوع البشري والحيواني والنباتي البيئي الهائل على سطح كوكبنا:
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ، ومن الجبال جدد بيض و حمر مختلف ألوانها كذلك وغرابيب سود ، ومن الناس والدواب و الأنعام مختلف ألوانه كذلك"
أو في خلق الإنسان نفسه و تكوينه من ماء مهين في قرار مكين
ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون"
أو في تدبير الحياة الاجتماعية للبشر:
وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"
أو في التوازي بين الحياة و الموت الذي يجعل الأرض قادرة على تحمل الحياة على سطحها:
ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا"
فمن تأمل ذلك يدرك أنه لا يمكن أن يكون من تلقاء نفسه، وأن وراءه خالقا حكيما، فإذا علم ذلك علم أن هذا الخالق محال أن يكون خلق ذلك لغاية الفناء، وإلا كان عبثا محالا على خالق حكيم ، يقول الله تعالى:
وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين"
و علم أن من حكمته ألا يخلق البشر على ما هم عليه من عقل و قدرة على اكتساب الحسن والقبيح من الأعمال ، ثم تكون نهاية المحسن والمسيء واحدة إلى الموت والفناء
أفحسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون"
فإذا تدبر ذلك و أضرابه من دلائل الإيمان ازداد إيمانه شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى اليقين.
هل يمكن التوفيق بين العقل النقدي و الإيمان؟
إن المسلمين اليوم يستهلكون أحدث منتجات الحضارة الحديثة، فبين أيديهم آخر موديلات الهواتف الذكية، و الحواسيب القوية الأداء،و في منازلهم شاشات LED ثلاثية الأبعاد، و في شوارعهم أقوى السيارات محركا ، وأكثرها رفاهية، لكنهم-مع ذلك- عاجزين عن المشاركة في الإنتاج الحضاري بقدر يتناسب مع نسبتهم من سكان العالم ، أو قيمة حضارتهم في تاريخ الحضارات، و ذلك لأن الإنجاز الحضاري لا يصنعه تكديس الأشياء التكنولوجية،و لكن تصنعه العقول المبدعة المتفكرة التي تنفذ ببصيرتها إلى ما لا يراه الآخرون، و لا تقبل من التفسيرات و النظريات ما هو مستقر شائع، و لا يقبل من الحلول بالقريب المتداول ، هذه هي العقول النقدية كما تسمى في الفلسفة الحديثة، إذ أن حضارة الغرب لم تكن نتيجة اختراع آلة البخار بل نتاج تطور العقل النقدي الأوربي منذ ديكارد، هذا العقل الذي اخترع آلة البخار ثم لم يقنع بإمكانياتها فطور محرك الاحتراق الداخلي، ثم المحرك الكهربائي، و لم يقنع بالراديو فاخترع التلفزيون ثم طوره إلى ما نرى، وهو العقل الذي لم يقنع بنظرية نيوتن رغم نجاحها الكبير في تفسير العديد من الظواهر الطبيعية لعجزها عن تفسير نتيجة تجربة واحدة، فأخرج النظرية النسبية ، وميكانيكا الكم و سائر انتاج القيزياء الحديثة.
إلا أن العقل الغربي الحديث قد تأسس تيار التفكير الرئيس فيه على إخراج الأفكار الدينية، والماورائية بصفة عامة من دائرة العلم بزعم إستحالة إقامة دليل موضوعي عليها، وقصر قضايا العلم على ما يمكن إثباته اعتمادا على الأدلة التجريبية والرياضية،ومحاولة تأسيس علوم اجتماعية وإنسانية على مناهج تجريبية، وهي المدرسة التي تعرف في تاريخ الفكر بالوضعية (أو الإمبريقية)، و هؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى في صورة الروم:”يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" و الوضعية هي المعادل الفلسفي للعلمانية السياسية، و الفكرتان سادتا أوروبا أثناء عصر الأنوار ، و هما من الركائز الخمسة الأساسية لحداثة الغرب.
و في هذا السياق حاول علماء الغرب تقديم نموذج تفسيري لنشأة الكون و الحياة وتطورهما يقدم بديلا للأفكار الدينية عن وجود خالق للكون، و يقدم هذا النموذج باعتباره علميا ، و يصور نشأة الكون ثم ظهور الحياة على الأرض كسلسلة من الأحداث الفيزيقية، والتفاعلات الكيميائية تحكمها الصدف السعيدة، فكل الأنواع تطورت من بعضها البعض بفعل النشوء والارتقاء، و أصلها يعود لحيوان أحادي الخلية ، وهذا الحيوان وحيد الخلية نشأ من تفاعلات بيوكيميائية يقودها جزيء مركزي من الأحماض النووية نشأ بفعل صدفة سعيدة تهيأت من توافر عناصره الأساسية في بيئة محفزة ، وذلك في أزمان بعيدة من عمر كوكبنا الذي تكون هو وغيره بفعل تكاثف مكوناته من الشوارد الهائمة في الكون الذي نشأ على صورته الحالية بفعل عدد هائل من الأحداث ترجع جميعها إلى حدث قديم جدا يسمونه الانفجار العظيم،و هو الذي ابتدأ نشأة الكون، و هذه النظرية كما هو واضح تحاول أن تخفي سؤال "من" في كثير من التفاصيل التي تدور حول كيف ، كمن تسأله عمن شيد هذه البناية الفارهة، و لأن بينه و بين مشيدها عداوة أو جفاء يقول لك يقومون أولا بحفر الأرض ، ثم عمل شبكة من حديد التسليح في أرضية الحفرة تصب عليها الخرسانة ، وتترك لتجف،فيكون أصل الأساس قد تكون ثم ترفع الأعمدة بتشبيك الحديد المكون لها مع حديد الأساس و إحاطته بالخشب على شكل العمود ثم تصب الخرسانة داخل الخشب بعد ذلك ينصب سقف خشبي بين الأعمدة و يمد فوقه حديد تسليح السقف ثم تصب الخرسانة و بعد ذلك يرفع الخشب ، وتبنى الحوائط بالطوب ، بينما أنت لا تسأل عن ذلك ، و إنما عن المهندس الذي صمم البناء ، و خطط خطوات التنفيذ وفق جدول محدد سلفا، وتابع تحققها خطوة بخطوة في الموعد المناسب تماما وفقا لخطته المسبق فضلا عن أن التصور بأن كل خطوة من خطوات الخلق نشأت بفعل الصدفة يفتقد للقدرة على الإقناع فمن الممكن للصدف أن تفعل فعلها عشر مرات لا ملايين المرات.
في المقابل نجد أن حضارتنا االإسلامية في نماذجها الممتازة زمن ازدهارها استطاعت انتاج عقل نقدي لا يرفض الدين، بل يجعل العقل برهانا للإيمان، ومن الإيمان نورا للعقل، فقد طور المسلمون منهجا في نقد الروايات ، و التحقق من صحتها لم تعرفه الأمم من قبل، لذلك يختلط في تراث الأمم الواقع الحقيقي بالأسطورة بالحكاية الشعبية، ويتعذر التمييز بين ذلك كله، لكن المنهج النقدي الذي طوره المسلمون أتاح التمييز بين ذلك بدرجة عالية من الدقة، باتباع آلية محددة تمكن من تصنيف الروايات إلى ما يحمل درجة عالية من الموثوقية و هو الخبر الصحيح، وما هو مقطوع بخطئه و هو الموضوع ، وبينهما درجات على سلم الموثوقية، و قد بدأ تطوير هذا المنهج منذ فترة مبكرة جدا من تاريخ المسلمين، فعبد الله بن المبارك و هو من جيل التابعين عاش في نهاية المائة الهجرية الأولى وبداية المائة الثانية يقول: “الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء بما شاء".. فإذا كان شخص صادق ضابط لما يحفظ قد حدث بأن شيئا ما حدث لم يعاينه، أو أن شخصا ما تحدث بكذا و هو لم يلقه، فإن خبره لا يقبل إلا إذا أسند هذا القول إلى من عاين الحدث أو سمع مباشرة من المصدر الأصلي، و إلا وجب أن يخبرنا ممن أخذ هذا الشخص الذي ينق عنه هذه الرواية، وهكذا حتى نصل إلى المعاين للحادثة أو المتحدث الأصلي بالكلام، فإذا أسند فقد أحالك، فوجب أن يتم التأكد من أن كل الرواة على طول سلسلة الإسناد قد سمعوا من بعضهم البعض، و أن كل واحد منهم عدل مأمون من الشهادة الزور و اقتراف الكذب، ضابط حافظ لما يرويه لكي يقل احتمال خطئه في روايته، فإذا نقل أحدهم خبرا عن راو حديثا لم يروه عنه غيره ممن يرون عن نفس الشخص ما يحدث به من أخبار ، فإن هذا الخبر يسمى غريبا ، و هي درجة تقلل قليلا من موثوقية الخبر، فإذا كانت هذه الرواية تعارض ما يرويه أكثر الرواة عن نفس المصدر فإن هذه الرواية تسمى شاذة، فمن كثر من الرواة غريبه و شواذه تركوه لأن ذلك مظنة الكذب، أو الوهم الشديد في الأخبار، و بعد أن ينتهي أهل الرواية من البحث في الأسانيد يبدأ أهل الدراية في نقد مضمون الخبر نفسه، و هو المتن في مصطلحهم، فإن كان خبرا تاريخيا عرضوه على ما اشتهر و تواتر من الروايات المتعلقة بالحادثة التاريخية، فإن كان متوافقا معها قبلوه ، و إلا تشككوا فيه، و إن كان صحيح السند، مثلما تشكك ابن القيم في رواية مسلم أن أبا سفيان سأل النبي (ص) بعد إسلامه ثلاثة أمور من بينها الزواج بابنته أم حبيبة ، وأن النبي (ص) قد أجابه إلى اثنين منها هذا الزواج، لأن المشهور الواصل لدرجة التواتر بين أهل العلم بالسيرة النبوية يؤكد أن النبي (ص) تزوج بأم حبيبة بعد عودتها من الحبشة قبل فتح مكة ، وأن إسلام أبي سفيان كان يوم الفتح نفسه، فقد كانت أم حبيبة زوج النبي (ص) بالفعل يوم أن أسلم أبو سفيان ، فإن كان الخبر في الأحكام عرضوه على ما هو أشهر منه و أصح و ما هو متواتر من قرآن وسنة فإن كان وافق ذلك فقد تعزز به، وإن خالفه فإن كان له تأويل يجيز الجمع بين الأدلة تتحمله اللغة وسياق الكلام ذهبوا إليه ، وإلا ردوا الخبر المخالف و إن كان صحيح الإسناد مثلما أجمعوا على رد حديث النبي (ص) في الأمر بقتل شارب الخمر في رابع مرة بترك الصحابة و من بعدهم العمل بذلك فكان في تركهم جميعا ذلك مع علمنا أنهم لا يخالفون عن أمر النبي (ص) دليل يدفع في الشك في هذه الرواية من جهة المتن لا السند.
علم آخر نستطيع أن تلمس به معالم العقل النقدي المسلمين هو علم الكلام، فأكثر المتكلمين اعتبروا النظر العقلي أول الواجبات الشرعية حتى أنهم اختلفوا في صحة إيمان المقلد المطلق في مجال الاعتقاد، و قد عاب المتكلمون على طائفة من أهل الحديث اعتبارهم أن النص لا العقل هو الحجة في مجال العقيدة وكافة، و ردوا ذلك بأن النص لا يكون ذا حجة إلا إذا سلمنا بصحة مصدره الإلهي، و هذا لا يكون إلا إذا سلمنا بوجود الإله، و صفاته ، و إمكانية حدوث الرسالة، وصدق دعوى النبي (ص) في أنه رسول، وكل ذلك لا يعرف إلا بالعقل، حتى يكون للنص حجيته، ومن بعد ذلك يكون النص حجة في مسائل العقيدة التي لا يمكن أن تعرف إلا به مثل الملائكة، و صفة الجنة والنار ، ونحو ذلك، فدور النص في مجال إثبات وجود الله ، وصفاته ، وإثبات النبوة ، و صدق الرسول إنما هو إرشاد العقل إلى أدلة ذلك لا أن يكون النص في ذاته دليلا، وقد حدد المتكلمون الأسباب التي يحدث بها العلم فاعتبروا المحسوسات المباشرة التي تدركها الحواس ، و كذا البديهيات العقلية التي لا تتصور العقول غيرها معارف ضرورية أي أن معانيها تحدث في النفس بالقوة (أي من غير إعمال تفكير) ، ولا يجادل فيها إلا مكابر ، بينما اعتبروا المعارف التي تؤخذ بالاستنتاج من ملاحظات الحواس، أو بالقياس على بديهيات العقول معارف استدلالية، أما الأخبار المنقولة فإن كانت أخبارا متواترة أي تنقلها الجماعةالكبيرة الموثوقة التي لا يتصور اجتماعها على الكذب فإنها عندهم من قبيل العلم الضروري، أما إذا نقلها الآحاد فهي تفيد العلم بما يرتبط بها من القرآئن على صدق الناقل و علمه بما ينقل، فهي عندهم علما إستلالايا لذلك، ونلاحظ هنا أن المتكلمين اعتبروا كلا من الملاحظة، و العقل مصدرا للمعرفة، فلم يقع بينهم الصراع الذي وقع في الفكر الغربي بين المدرسة التجريبية، والمدرسة العقلانية، هذا على صعيد النظرية، أما في التطبيق، فقد صاغ المتكلمون أدلتهم على مسائلهم معتمدين طريق الدليل الاستدلالي العقلي، وقد أدخلهم هذا في خلاف مع مدرسة أخرى من المفكرين الذين يحترفون هذا الطريق، وهم الفلاسفة المنطقيون المتأثرون بفكر أرسطو الذي ترجم للعربية مع ما ترجمه المسلمون منذ بداية العصر العباسي و الذين يتبعون أيضا طريقة البرهان العقلي، و لكن طريقتهم في الاستدلال و نتائج براهينهم خالفت أسلوب المتكلمين و نتائجهم، ونحن نجد هذا الخلاف في أجلى صوره في المناظرة الشهيرة بين أبي حامد الغزالي مؤلف "تهافت الفلاسفة"، وبين ابن رشد الحفيد مؤلف "تهافت التهافت" ، فقد كفر أبو حامد الفلاسفة بسبب بعض آرائهم الميتافيزيقية، و لكن أهم ما في كتاب أبي حامد أنه تجاوز بسرعة المسألة التكفيرية، و قدم محاجة جدلية عقلانية موسعة لآراء الفلاسفة الميتافيزيقية، وقد رد ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت" على حجج أبي حامد، بينما أفرد كتابا آخر هو الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الأمة، لتفنيد قضية تكفير الفلاسفة، فأوضح أن مقولات المتكلمين لإثبات قضايا العقيدة هي مقولات محدثة لا تعتمد على أدلة القرآن و السنة، فبالتالي لا يمكن لمنكرها أن يوصف بالكفر،فليس في القرآن أو السنة حديث عن وصف العالم بالمحدث، ولا الله بالقديم، ولا أن الأعراض محدثة، ولا عن تكون الأجسام من الجوهر الفرد، و نحن نقرأ هذا الكلام ربما نجد قضايا لا تعني عالمنا المعاصر، ولا ترتبط بقضايا الفكر الحديث، لكننا أطلنا فيها لكي نؤكد أن المسلمين كانوا منفتحين جدا على منافشة القضايا العقائدية اعتمادا على معيار العقل، و أن التيار الذي يرفض النقاش العقلي لمسائل العقيدة ظل هامشيا حتى مرحلة متقدمة جدا من تاريخ المسلمين، لكن العقل الإسلامي لم يكن عقلا لاهوتيا لا يهتم بغير قضايا الإلهيات، فنحن نعرف جميعا الإسهام المهم الذي قدمه ابن خلدون -مثلا- في مقدمة تاريخه التي ناقش فيها قواعد تطور المجتمعات البشرية، و قوانين حركة التاريخ اعتمادا ، وهو ما غير مفهوم التأريخ من مجرد سرد للوقائع إلى محاولة تقديم نظرية لتفسير التاريخ، و أول محاولة للتعامل مع الاجتماعيات كعلوم لها قواعد و قوانين يمكن استباطها من ملاحظة الماضي والحاضر، ويمكن من خلالها التوقع للمستقبل أو محاولة تغييره، كما نعرف الإسهام الكبير للرياضيين المسلمين في تطوير الرياضيات من خلال تطوير علم الجبر الذي لا يزال يعرف باسمه العربي في اللغات العالمية، و إن أكبر دليل على تأثير المسلمين في العلوم الرياضية هي تخلي الغرب عن طريقة العد اللاتينية، واستخدامهم الأرقام العربية المغربية (1- 2- 3- 4- 5-...) بدلا منها ، ولا تزال تعرف بالأعداد العربية في مختلف اللغات، و يعرف المتخصصون الإسهام الكبير لنصر الدين الطوسي و تلاميذه في مرصد مراغة في نقد نموذج كون بطليموس و محاولتهم تاسيس نموذج لابطليموسي للكون،و قد اعتمد كوبرنيكوس صاحب نظرية دوران الأرض حول الشمس مباشرة على حسابات علماء مرصد مراغة في برهان نظريته، و ربما يكون إسهام العقل المسلم في العلوم التجريبية الأقل برغم ظهور عقول تجريبية رائدة مثل جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، لأنها تقوم على الأدوات المختبرية، و قد حدث تطور الأدوات الكبير بعد أن دخل العقل المسلم مرحلة الجمود ، ثم الانحطاط، و قد تحدث الكثيرون عن أسباب ذلك، وربما كانت معظم التفسيرات متأثرة بالأيدلوجيا أكثر من كونها محكومة بمنهج علمي تفسيري، ونحن لن نخوض في ذلك الآن، و إنما فقط نسرد بعض مظاهر ذلك الانحطاط، ففي عصر النهضة الفكرية للمسلمين وضع ابن جرير الطبري موسوعته التفسيرية الضخمة "جامع البيان في تأويل آي القرآن" ، و كما يبدو من اسمه حاول الكتاب جمع كل ما يتعلق بالتفسير من أحاديث، وآثار، وحتى حكايات شعبية، و أساطير مصدرها الاسرائيليات، وغيرها، وقد روى ابن جرير جل ذلك بأسانيد تمكن المحقق من تمييز المصدر الذي هو بحجة من ذلك الذي ليس بحجة، و تحديد الخبر الموثوق من ذلك المدسوس، لكن أغلب كتب التفسير بالمأثور التي وضعها المتأخرون، و جلها عالة على كتاب ابن جرير الطبري هذا، حذفت الأسانيد ، و توسعت في استخدام المرويات الإسرائيلية، و الحكايات الأسطورية في التفسير خاصة ما يتعلق بالقصص القرآني بدون نقد أو تمحيص، بل تروى ذلك باعتباره حقائق و تسرف في الإغراب، فنجدهم يقولون أن فرعون يوسف هو نفسه فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة ، وهي رواية لا دليل عليها من القرآن و السنة، وتتعارض مع رواية التوراة نفسها التي تصرح أن نكبة بني إسرائيل التي بعث موسى لإنقاذهم منها كانت في عهد فرعون آخر لا يعرف يوسف،فهي ليست حتى رواية إسرائيلية و إنما خرافية، و نجد بعضهم يقطع أن أم بلقيس ملكة سبأ التي ورد ذكر قصتها مع سليمان (عليه السلام) كانت جنية ، و نحو ذلك من أساطير تشوه القصص القرآني ، و تهوم في وجه مقاصده الدينية، والأخلاقية ، وتجعل منه حكايات للسمر كألف ليلة وليلة، أما كتب الفقه التي كتبها المتأخرون فقد خلت من الدليل الشرعي، و صارت متونا تذكر أقوال أصحاب المذاهب و كأنها موجبة للعمل بها في ذاتها، و تكفي المقارنة بين كتب أبي جعفر الطحاوي في الاحتجاج لمذهبه ، والتي تعتبر من مصادر السنة المشرفة،و أيضا مصنفات أبي بكر الرازي الجصاص و أبي بكر الخصاف، و كلها مملوءة بالأدلة الشرعية و الاستدلال بها على المسائل، وبين كتب متأخري الأحناف التي يقل فيها ورود دليل من كتاب أو سنة، وإن وجد ذلك في بعضها كالهداية و الاختيار كانت روايته بالمعنى ، و بدون إسناد ، وربما احتج لقول مذهبه بأضعف الأدلة عليه ، فأساء إلى أشياخ المذهب من حيث لا يدري ، و ما يقال في ذلك على كتب الأحناف يعمم على غيرها، أما كتب العقيدة ، فقد خلت من الاستدلال العقلي، وتحولت لما يشبه قوانين الإيمان تحفظ فيها مقولات أئمة المذهبين الأشعري و الماتريدي كأنها تتمة للقرآن. أما العلوم غير الدينية فقد توقف البحث فيها أو يكاد، حتى استيقظ المسلمون و قد صار الفارق بينهم وبين غيرهم شاسعا ، فلما انتبهوا لذلك حاولوا أن يدركوا ما فاتهم، و أعتقد بعضهم أن سبيل ذلك بتقليد الغرب في حداثته التي تتردد مظاهرها بين العداء للدين أو تركه في موضع جانبي كسلوك خاص ، و بين داع للعودة للتراث واستئناف النهضة من حيث انقطعت على أساس من قيم حضارتنا، لكن هذه الدعوة تباينت في فهمها لهذا التراث ، فهناك من التبست عليه الأمور ، و لم ير في التراث سوى بعض العقوبات الجنائية أو لحية أو جلباب، أو سروال قصير، و روج لذلك باعتباره منهاج السلف في زمان نهضتهم، ومنهم من اطلع على مقولات القدماء، فتبنى بعضها و تعصب له ، فلم نكسب من ذلك سوى إحياء عصبيات الماضي، و خلافاته، و مشكلاته لنضيفها إلى مشكلات الحاضر و خلافاته، و هناك من استوعب مقاصد الشريعة و مكارمها، و اطلع على مقولات القدماء ليتواصل مع القيم الإيجابية، و المفاهيم المركزية التي قادت الأمة لتحقيق إنجازها الحضاري في زمان نهضتها، و استطاع التمييز بين ما هو إنساني وقابل للإحياء و الاستفادة منه في كل زمان و مكان، وما هو تاريخي قد تجاوزه الزمان، وهؤلاء منذ رائدهم الكبير الإمام محمد عبده قد أدركوا قيمة العقل و احترامه سواء في نصوص الإسلام المقدسة ، أو في فهم رواد النهضة في زمن مجد المسلمين، و هؤلاء قد انقسموا إلة أهل فكر و تنظير ، و أهل دعوة و حركة ميدانية، و برغم ما وقع في الفريقان من أخطاء جسيمة عطلت مسيرتهم و برغم العثرات و العراقيل التي يضعها أمامهم خصومهم إلا أنهم لا يزالون الأمر الأكبر في النهوض بالأمة إذا تجاوزوا أخطاءهم، و كانت لهم من الاستعانة بالله والعزيمة ما يتجاوزون به العراقيل    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق