يمكن أن نجمل القواعد الأساسية للنشاط
الاقتصادى فى الرؤية الإسلامية فيما يلى:
1- الربح مقابل
المساهمة الحقيقية فى إنتاج السلع
والخدمات.
2- تقليل المخاطر،
وتوزيعها.
3- التراضى أساس
المعاملة إلا التراضى على باطل.
4- الحفاظ على
الموارد، وتجنب الهدر.
5- الضرر يزال، أو
"لا ضرر،
ولا ضرار".
6- دور فعال للدولة.
7- المرونة والواقعية.
1- الربح
مقابل المساهمة فى إنتاج السلع والخدمات:
يمكننا
أن نفهم أهمية هذه القاعدة عند النظر إلى
أغلب ما يسمى بالمنتجات المالية الحديثة
التى تروج فى الأسواق المالية العالمية
فى السنوات الأخيرة، والتى كانت سببا
مباشرا للأزمة المالية العالمية التى
اجتاحت العالم فى عام 2008 وما
بعده، فهذه المنتجات ليست سلعة حقيقية
تتداول بين البائعين والمشترين، وإنما
يجرى التداول على حقوق تملك "نظرية"
للمواد الغذائية،
أو المعادن، أو العقارات من غير أن يتسلمها
المشترون بالفعل، وتدخل فى ضمانهم، وقد
بينا أن الرأى المستقر فى الفقه، والذى
عليه الدليل الشرعى ألا يباع الشئ حتى
يحاز ويدخل فى ضمان البائع، وبينا أن
الرخصة عند بعض المذاهب والأئمة فى أنواع
من البيع قبل القبض ما قصدوا بها التحيل
لهذا النوع من المعاملات، وإنما تسامحوا
معها، لأنهم وجدوا احتمال الخطر فى عدم
تسليم السلعة منخفضا فى هذه الأصناف التى
ترخصوا فيها فى تعاملات تجار زمانهم، وهى
الأراضى فى رأى أبى حنيفة، وغير المطعوم
من المبيعات فى رأى مالك ومن رأى رأيه،
واستخدام فتواهم للتوصل إلى إباحة معاملات
عالية المخاطر جدا هو عكس للأسس التى قامت
عليها وتشويه لها.
وقد
كان جديرا بالاقتصاديات التى تعتمد
النموذج الإسلامى ألا تمارس هذه الممارسات
الاقتصادية، وقد كان ذلك كفيلا بألا تقع
فى الأزمة الاقتصادية العالمية لعام
2008، لكن
احتراف بعض مؤسسات التمويل الإسلامى فى
بعض مدن الخليج بالذات للتجارة فى أدوات
مالية مشابهة من خلال الحيل التى أدمنتها
هذه البنوك قادها إلى السقوط فى نفس الفخ
الذى وقعت فيه غيرها من الاقتصاديات، وهى
الحيل التى يعتبرونها شرعية رغم افتقاد
كثير منها للشرعية، فأصل الحيل الشرعية
عند من أباحها من العلماء الوصول للمقاصد
المشروعة بالطرق المشروعة، أما الوصول
للمقاصد غير المشروعة بالطرق المشروعة
إثم عظيم، واستهانة بالشريعة، وتضييع
لمقاصدها، وإن ظهر الالتزام بها شكلا،
وما كانت أزمة ديون دبى إلا نتاجا لهذا.
إن
مبدأ الربح مقابل الإنتاج الحقيقى للسلع
والخدمات يؤدى لتنمية حقيقية، لكن هذه
الألاعيب المالية فلا تؤدى إلا إلى تضخم
ثروات البعض مقابل مخاطر كبيرة يتحملها
المتعاملون والاقتصاد ككل، وهذا يقودنا
للقاعدة التالية من قواعد الرؤية الإسلامية
للنشاط الاقتصادى.
2- تقليل
المخاطر، وتوزيعها:
يمكن
وصف النظرية الإسلامية فى الاقتصاد عموما
بالمحافظة حيث أنها تهدف إلى تقليل المخاطر
على قدر المستطاع، فتحريم بيع المنابذة
والملامسة وأشباهها، وبيع المحاقلة، وهو
بيع المحصول فى الحقل بتقديره حبوبا،
والمزابنة، وهو بيع الثمر فى الأشجار
بخرصه زبيبا أو تمرا، وسائر بيوع الغرر
يهدف إلى تقليل المخاطر، وتقليل أسباب
النزاع، وبالمثل تعليق المبيع على شرط
مستقبل والرهان والقمار ونحو ذلك محرم
للخطر فيه، غير أن الشريعة لا تهدف إلى
تقليل المخاطر فحسب، بل إلى توزيعها على
المتعاملين بحيث تقل وطأة الوقوع فيها،
إذ إن الخطر لا ينفك عن أى نشاط اقتصادى
فى الواقع، ولذلك اعتمد الفقهاء قاعد
"الغنم
بالغرم" فلا
يجوز أن يشترط شريك فى شركة أو رب المال
فى المضاربة عدم تحمل الخسارة.
ومن
وسائل توزيع المخاطر أيضا وضع نظام مستقر
لمساعدة الغارمين من خلال تخصيص حصة لهم
فى مصارف الزكاة وسنتبين ذلك لاحقا فى
القسم الثانى من بحثنا.
3- التراضى
أساس المعاملة إلا التراضى على الباطل:
وأساس
ذلك قول الله تعالى: "لاَ
تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً
عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ"،
وحديث النبى ()
"المسلمون عند
شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرام حلالا"
فلا يجوز عقد الربا،
ولا عقد الضرر، ولا العقد المعلق على
الخطر، ولا الشروط الفاسدة بحجة قبول
طرفى التعاقد، فتأسيس النشاط الاقتصادى
على العدل لا يتعلق برضاء الأفراد أو بعدم
رضائهم، لأن أفعالهم لا تؤثر فى حياتهم
فقط، بل فى مجمل أوضاع الاقتصاد، والعلاقات
داخل المجتمع.
4- الحفاظ
على الموارد، وتجنب:
وقد
فصلنا القول فى ذلك فى إدراج سابق، فلا
داعى للتكرار.
5- الضرر
يزال، أو "لا
ضرر، ولا ضرار":
وهذه
قاعدة أساس من قواعد الشريعة الكبرى فى
العبادات، والعادات جميعا، ومعظم ما
ذكرنا فى القواعد الأربعة السابقة يدخل
أيضا تحت هذه القاعدة، لكن أفرد الحديث
عنها فى عنوان مستقل لإلقاء الضوء أكثر
على تطبيقاتها فى النشاط الاقتصادى.
فإزالة
الضرر تؤدى إلى منع إنتاج بعض المنتجات
كما أوضحنا مثل الخمر، والخنزير، والأصنام
لأنها تؤدى إلى ضرر بالدين والعقل.
وإزالة
الضرر قد تبرر وضع رقابة صارمة، وترتيبات
معينة لتجارة السلع التى تحتاج لذلك مثل
الأسلحة والأدوية.
وإزالة
الضرر تمنع فى الشرع بعض الممارسات كالنجش،
والسوم على سوم الآخر. وإزالة
الضرر تبيح استثناء بعض الممارسات من
قاعدة الوفاء بالعقود بمجرد إبرامها مثل
خيار الرد بالعيب، وخيار الرؤية، وخيار
المجلس عند من اعتبرهما من الفقهاء.
وإزالة
الضرر تؤدى إلى تقييد حق المالك فى التصرف
فى ملكه من خلال اعتبار حق الشفعة للشريك،
أو للشريك ثم الجار على خلاف المعروف بين
المذاهب، ومن هذا الباب فتوى بعض العلماء
فيمن أراد أن يجعل من عقار يملكه فى سكة
غير نافذة حماما
(السكة غير
النافذة هى الشارع المفتوح من جانب واحد،
ويعتبر فى الفقه الإسلامى منفعة مشتركة
بين سكانه) أن
لهم حق منعه إلا أن يكون دخان الحمام مثل
أو أقل من دخان الجيران، لأنه إذا كان
دخان الحمام أكثر من دخان الجيران ففيه
مضرة للجيران، أما إذا كان دخان الجيران
مثل دخان الحمام أو أكثر كأن يكون فى نفس
السكة مصبغة، أو شئ مشابه، فإن رغبتهم فى
منع إقامة الحمام من باب الإضرار بصاحب
العقار بدون سبب وجيه.
وتأسيسا
على هذه القاعدة يمكن أن نقيم الكثير ممن
الممارسات المعاصرة فى الاقتصاد فالأصل
فى العقود فى الشريعة الإسلامية التراضى،
لكن إزالة الضرر قد تؤدى إلى تقييد هذا
الحق أحيانا، فالأصل فى تحديد أجر الأجير،
ومواعيد العمل التفاوض، والاتفاق، لكن
إذا كانت الظروف المحيطة تسمح لرب العمل
أن يحيف على العامل فبخسه حقه، أو يكلفه
فوق ما يطيق، فللحاكم أن يقيد ذلك ببعض
الشروط التى تضمن تحقيق العدل كتحديد حد
أدنى للأجر، أو حد أقصى لساعات العمل.
والأصل
فى التملك إطلاق التصرف فيما تحت اليد،
لكن قد أوضحنا أن الفقهاء قيدوا ذلك أحيانا
بالشفعة، وبمنع ممارسة بعض الأنشطة المضرة
بالجيران، وقد يدخل فى ذلك حق الحاكم فى
تقييد زراعة بعض المحاصيل، والأشجار
المستهلكة للمياه للمصلحة العامة مثل
الأرز، والموز، أو تلك المرهقة للتربة.
لكن
قاعدة الضرر يزال تضبطها قاعدة أخرى فى
الفقه الإسلامى هى:
"الضرر
لا يزال بالضرر"
فرفع
الضرر عن أحد الأطراف لا يكون بطريقة تؤدى
لإلحاق الضرر بطرف آخر، فللشريك الحق إذا
كان يريد الشراء أن تكون له الأولوية
بالشفعة، لكن الضرر الواقع عليه فى حال
البيع لا يكون مبررا لكى يمنع شريكه من
بيع حصته لغريب إذا كان لا يريد هو الشراء،
أو أن يشترى بثمن أقل مما عرض الأجنبى لأن
فى ذلك ضرر على الشريك الراغب فى البيع،
ولا يزال ضرر بضرر.
ولذلك
حمل كثير من الفقهاء حديث أبى هريرة عن
النبى (): "لا
يمنعن أحدكم جاره أن يغرس خشبة فى جداره"
على الندب والاستحباب،
لكن لا يقضى به على المالك لأنه إذا وجب
عليه ذلك، وقيس عليه ما فى بابه لأدى ذلك
لسقوط حق المالك فى احتكار نفع ما يملكه،
وهو لب مفهوم الملكية، وللحق الناس فى
أموالهم ضرر كبير، فلا تزال المضرة الواقعة
على الجار فى عدم وجود مكان لتعليق خشبته
(مثل اللافتة
الإعلانية) ا
بالإضرار بالجار صاحب الجدار بإجباره
على إدخال ما يكره على ملكه.
لكن
من وجهة النظر العملية لا يمكن إزالة ضرر
من غير أن يلحق أى طرف من الأطراف ضرر
بالكلية، فمثلا منع التجارة فى الخمور،
والمخدرات يحرم المتاجر فيها من الربح،
وهذا مضرة، وينطبق هذا أيضا على منع
الاحتكار، والربا.
لذا
فقد قسم الأصوليون الضرر من حيث إزالته
إلا ما يلى:
1- الضرر الذى لا
يترتب على إزالته أذى يذكر، وهذا ضرر يجب
رفعه.
2- الضرر الذى تؤدى
إزالته إلى مفسدة، أو ضرر أقل من الضرر
الأول واجب الإزالة أيضا.
بدليل
قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ
فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن
نَّفْعِهِمَا"
فحرم
القرآن الخمر والميسر مع الإقرار بوجود
منافع فيهما لأن إثمهما
(أى ضررهما)
أكبر من نفعهما.
3- الضرر التى تؤدى
إزالته إلى مفسدة مساوية للضرر الأول:
مثل أن يقع التهديد
على إنسان بالقتل إذا لم يقتل فلانا، فهذا
ضرر لا يجوز رفعه على هذا النحو، ويجب
عليه أن يصبر على القتل، ولا يمارس هو
القتل، لأن "الضرر
لا يزال بالضرر"
هذا
فى الفتوى، أما فى الحكم والقضاء، فالإكراه
على القتل بالتهديد بالقتل يمنع القصاص
من القاتل، والراجح أن يقتص من المكره
لأن القاتل فى حكم الأداة فى يده.
4- الضرر الذى تؤدى
إزالته لضرر أكبر، وهذا الضرر منهى عن
إزالته.
6- دور فعال
للدولة:
يتمثل
الدور الأساس للدولة فى الرؤية الإسلامية
للنشاط الاقتصادى فى الوقاية الفعالة
لضمان عدم خروج المتعاملين عن أحكام
الشريعة، وعدم خروج العملية الاقتصادية
عن القواعد الأساسية التى ذكرناها.
فقد
اعتمد المسلمون الآية القرآنية:
"وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ"
لاستحداث وظيفة
المحتسب بدء من عهد عمر بن الخطاب، وكان
الدور الأساسى للمحتسب هو مراقبة الأسواق
لضمان عدم خروج المعاملات عن ما أحله الله
تعالى.
وقد
كان المحتسب يمد رقابته لأسواق الطعام،
والمنسوجات، والأدوات المعدنية، وغيرها،
و كذا أصحاب الحرف، والصناعات المختلفة،
والنصوص التراثية التى تحدد عمل المحتسبين
توضح أن هذه الرقابة كانت تمتد لضمان
تطبيق أصحاب المهن والتجار القواعد العامة
للرؤية الإسلامية وتنزيلها على مهنهم
على النحو الأفضل، وليس مجرد تطبيق نصوص
ضيقة حول الحرام، والحلال، فالمحتسب
عندهم يجب أن يضمن أن تكون أسقف المخابز
عالية مع وجود فتحة واسعة للسقف لخروج
الدخان، وذلك لإزالة الضرر عن العاملين
بالمخبز، ويجب أن تستخدم ملابس ضيقة
الأكمام، حتى لا تقع فى العجين، و أن يربط
جبينه بقطعة قماش حتى لا يسقط عرقه فى
الطعام، حتى لا يشمئز من ذلك المشترى
صيانة لحقه فى إزالة الضرر عنه.
وقد
كان الاحتساب وظيفة طوعية فى بداية
الإسلام، ومن هنا جاء اسمها لأن القائم
بها يحتسب أجر مجهوده عند الله – تعالى
– لكن مع تغير الأحوال، وتبدل الزمان لم
يعد ممكنا إيجاد العدد الكافى من المحتسبين
المتطوعين، وإن وجدوا لم يكن سهلا على
السلاطين والأمراء إجبارهم على القيام
بتكاليف مهمتهم على أكمل وجه طالما أنهم
لا يتلقون مقابل لها، ولذلك تحولت الوظيفة
مع الأيام إلى عمل بمقابل مادى، وحتى
البلاد الإسلامية التى كان يسود فيها
مذهب لا يرى جواز الإجارة على أعمال الخير
المأجور عليها من الله كالخطابة، وتعليم
القرآن مثل المذهب الحنفى، تحيل علماؤه
المتأخرون كى يبيحوا إعطاء القائمين على
هذه الأمور (ومنها
الاحتساب) مقابلا
لعملهم تحت اسم المعلوم، والعطية لتجنب
تسميته أجرا، وذلك حتى يمكن لهذه الوظائف
أن تستمر فى الوجود مع قلة المتطوعين.
غير
أن أمر المحتسب لم يكن مثاليا بالكلية،
فقد أدى منح سلطة التعزير له إلى حالات
من سوء استغلالها، وساهم فى ذلك أن بعض
الدول الإسلامية أضافت للمحتسب وظيفة
وأد الفتنة ومنع انتشار الشائعات، فانحرفت
المهنة عن غرضها الأول، وأصبح لها دور
أقرب للبوليس السياسى ومباحث أمن الدول
فى الدول التسلطية الحديثة كما كان الحال
فى عهد دولة المماليك الشراكسة فى مصر،
وبالتالى زادت فرصة المحتسبين ذوى الضمائر
الخربة فى التربح، غير أننا لا نناقش أمر
المحتسب فى ذاته، فكل مؤسسة عرضة لانحراف
جماعة من أبنائها، وحتى لانحراف المؤسسة
نفسها فى وقت من الأوقات، ولكننا نريد
توضيح أن أمر الرقابة من الدولة على النشاط
الاقتصادى له تاريخ عريق فى الفكر الإسلامى،
ومن الممكن أن يتم إحياء ذلك من خلال الصور
المعاصرة المختلفة، وبشكل عام فإن بالدول
الإسلامية العديد من المؤسسات التى تمارس
عمل المحتسب بعضها تابع لجهاز الشرطة،
وبعضها تابع لوزارات العدل فى هذه الدول،
وبعضها لوزارات الزراعة، والتجارة،
والصحة، وغيرها، وليس المهم تأسيس مؤسسة
باسم هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر، ولا أن يكون هناك موظف اسمه
المحتسب، ولكن أن يتم تطهير المؤسسات
الرقابية بحيث تؤدى عملها كما ينبغى، وأن
تستغل فى فرض الرقابة التى تضمن تحقيق
الرؤية الإسلامية فى عالم النشاط الاقتصادى.
فصل:
فى التسعير
الإجبارى:
الأصل
عند علماء الفقه أن التسعير الإجبارى لا
يجوز لحديث النبى ()
وقد طلب إليه بعض
الصحابة أن يسعر لهم فقال: "إن
الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المسعر"،
ذلك أن التسعير الإجبارى قد يؤدى إلى بخس
حق التاجر لصالح المستهلك، إذ أن الحكومات
تميل غالبا ما يرضى الأكثر، ولو على حساب
العدل تثبيتا لملكها، ونحن نلمح أثرا
لذلك فى تحديد إيجارات المساكن فى مصر
حيث انحاز المسعرون لمصلحة السكان على
نحو أخل بشدة بمصلحة الملاك، بل أهدر
الكثير من حقوق الملكية الخاصة بهم، إذ
إن جوهر التملك هو إنفراد المالك بالتصرف
فى ملكه، وهو ما اعتدى عليه المشرعون
الوضعيون على نحو أهدر مفهوم العدالة،
وذلك نفاقا للسكان إذ أنهم الأكثر عددا
على المستوى القومى، وبدلا من أن تقوم
الدولة بواجبها فى البحث عن طرق لحل مشكلة
الإسكان فضلت أن ترفع عن نفسها جزءا من
واجبها، ووضعته على كاهل أصحاب العقارات
رغم أن ذلك ليس بواجب عليهم وليس لازما
عليهم أن يتحملوه، وهكذا نجد، فى كثير من
الأحوال أنه عادة ما تعجز الحكومات عن
مواجهة الشعوب بأن العدالة تقتضى رفع
الأسعار، خوفا من رد فعل الجماهير، فتحافظ
على الأسعار المنخفضة التى تغبن المنتجين
والتجارة، وتبخسهم أشياءهم، فيلجأون إلى
تقليل جودة المنتج، أو بيعها فى السوق
السوداء، وبذلك يخلق التسعير الإجبارى
من المشكلات أكثر بكثير من تحديد الأسعار
بواسطة العرض، والطلب.
هذا
الذى ذكرنا رأى الفقهاء فى التسعير
الإجبارى عموما، وهذا محمول على الأحوال
التى تؤدى فيها ظروف السوق للتحديد العادل
للسعر، وذلك أن يكون هناك سهولة فى الدخول
إلى السوق، وحرية فى الخروج منها، وتنافسية
حقيقية بين التجار، والمنتجين، لكن هناك
حالات استثناها كثير من الفقهاء من قاعدة
عدم التسعير، وهى حالات الاحتكار خاصة
فى الأقوات، وما أشبهها من السلع الأساسية
التى يضطرب المجتمع لغلو سعرها، ويمكن
أن ندخل فى ذلك اليوم الوقود، ومستلزمات
البناء، والأدوية، وأشباه ذلك، فمن الواجب
على الحكام التدخل لمنع قيام المحتكر
بممارسات تؤدى إلى رفع الأسعار، لأن الناس
تتضرر بشدة من ذلك، وليست لهم
القدرة عن الاستغناء عن هذه السلع، أو
تقليل استخدامها لهم
حتى يجبر
التاجر على تخفيض الأسعار (سلع
غير مرنة بالمفهوم الاقتصادى الحديث)،
وهنا اختلف العلماء فيما بينهم فى الكيفية
التى يمكن أن يحدث بها ذلك، فرأى بعض
العلماء أنه لا بأس بالتسعير على المحتكر
بعد استشارة أهل الخبرة لتحديد السعر
العادل إذا خيف الضرر على الناس، وليس
ذلك بمخالف للحديث النبوى، وإنما هو
للضرورة فإذا انتهى الاحتكار، وفشت السلعة
وجب على الحاكم رفع التسعير لانقضاء
الضرورة، وممن ذهب لذلك الإمام أبو حنيفة،
وقال تلميذه محمد الشيبانى بأن يجبر
الحاكم المحتكر على إخراج سلعته، وبيعها
حتى يرخص السعر، ولا يسعر عليه للالتزام
بنص الحديث، ويقاس على رأى محمد فى عصرنا
إجبار الحاكم أصحاب المصانع على تشغيل
مصانعهم بالطاقة القصوى، وإخراج كل ما
ينتجونه للبيع بغير تخزين، أو تصدير لخارج
البلاد، والرأى عندى أن كلا مما ذهب إليه
الإمام، وما ذهب إليه تلميذه صحيح، ومؤسس
فقهيا بشكل سليم، وإنما الرأى فى ذلك
لأصحاب الرأى الاقتصادى.
والاحتكار
عند بعض العلماء يكون فى كل سلعة يؤدى
منعها أو رفع سعرها بضرر معتبر بالناس،
ويلحق بهم العنت، وهو بهذه الصفة محرم،
ويتدخل لمنعه إذ تحققت المضرة وعند بعضهم
يكون فى أقوات الناس والبهائم حراما.
وعند بعضهم فى
الطعام فقط.
والملاحظ
أن الخلاف بين الآراء الثلاثة خلاف شكلى
فحسب، فمن قال من العلماء بالرأى الأول
فقد قعد القاعدة العامة، وترك لكل حاكم
أن يطبقها على حسب زمانه ومكانه، أما
أصحاب الرأيين الآخرين فقد أفتوا لعصرهم
ومكانهم فالرأى القائل بأن المحرم من
الاحتكار ما يكون فى الطعام فقط، وهو قول
مالك فقد نظر إلى ما كان احتكاره فى مجتمعه
به مضرة راجحة بالناس فما وجد إلا الطعام،
لأن وقودهم كان الحطب، وهو شائع لا يتصور
احتكاره، وكذا دواؤهم من الأعشاب، وغذاء
بهائمهم من الرعى فى المرعى الطبيعى، أما
القول بأنه فى أقوات الناس والبهائم، فهو
قول جماعة من فقهاء العراق لأن البهائم
عندهم علوفة لا رعوية فأمكن احتكار طعامها،
فكأن جميع الفقهاء فى الواقع قد قاسوا
على قول أصحاب الرأى الأول.
صور
جديدة للاحتكار:
ونحن
إذ طبقنا قاعدة منع الاحتكار فيما يلحق
منعه عن الناس الضرر المعتبر، والعنت بهم
لأمكننا أن نعد سلعا كثيرة ما عدها القدماء،
وما عرفوها، وهى اليوم من ضرورات الحياة،
ومن ذلك الأدوية الحديثة، وأحد صور احتكار
فيها تلك الأدوية التى تملك حقوقها
الشركات، والتى تنتج بمعرفتها، وبترخيص
منها، فهذه الصورة من الاحتكار لم تعرفها
المجتمعات قبل المعاصرة، وتحتاج لضبط
حكومى لمنع الاستغلال، وقد رأينا أن فى
شريعتنا ما يسمح بذلك.
ولا يمكن أن ننهي هذا المبحث من
غير أن نعرج على سؤال من يتولى عملية
الإنتاج: الدولة،
أم الأفراد، وهو سؤال سببه ظهور المذاهب
الاشتراكية، وقد تباينت الإجابة على هذا
السؤال عبر المائة سنة الأخيرة بشكل لافت،
فقبل عقد سبعينيات القرن الماضى (العشرين)
كانت الإجابة أن
الإسلام يميل إلى توسع الدولة فى عملية
الإنتاج، وتولى قيادتها حتى استبد الحماس
لهذا الرأى بأمير الشعراء أحمد شوقى فقال
مخاطبا النبى (ص):
"الاشتراكيون
أنت إمامهم" وممن
مال لهذا الرأى الشيخ مصطفى السباعى فى
كتابه "اشتراكية
الإسلام"،
والأستاذ "سيد
قطب" فى
أعماله المبكرة مثل كتابه "السلام
الاجتماعى فى الإسلام"،
ولا يمكن عزل ذلك عن رواج الفكرة الاشتراكية
الهائل فى الثلثين الأوليين من القرن
العشرين، واتساع النظرة إليها بين شعوب
الجنوب تحديدا باعتبارها المخلص من التخلف
والفقر والظلم الاجتماعى، وقد كان ذلك
حتى تبدلت النظرة لها مع انكسارات المعسكر
الشرقى، وانهيار الاتحاد السوفيتى،
فتغيرت آراء الإسلاميين، وصار الإسلام
من وجهة نظرهم رأسماليا يدعم اقتصاد
السوق، وحرية التجارة، وذلك دليل على أن
الرأيين لم يكونا مؤسسين على استدلال
شرعى معتبر، وإنما محاولات لإلباس الأفكار
الغربية رداء الإسلام بلى أعناق الأدلة،
ومن ينظر للمجتمع المسلم فى عصر النبوة،
والخلافة الراشدة لا يشك أن الملكية
الفردية كانت الأساس للمجتمع، وأن النشاط
الاقتصادى للأفراد المؤسس على العرض
والطلب هو المحرك الرئيسى للاقتصاد، وأن
جل أبواب الفقه الإسلامى فى مسائل المعاملات
تنظم مجتمعا قائما على ملكية الأفراد،
ونشاطهم بالرغم من ذلك نجد حضورا قويا
لفكرة الملكية العامة لوسائل الإنتاج،
فبعد فتح المسلمين لعدد من البلدان
الزراعية استقر رأى الصحابة فى عهد عمر
بعد مشاورات على أن تكون جميع أراضى
البلدان المفتوحة الزراعية ملكا للدولة،
وأن يقر أصحابها قبل الفتح عليها على أن
يؤدوا خراجا لبيت المال، وكانت العلة
التى دفعت عمر لهذا الرأى، وأقنعت به غيره
من الصحابة هو أنه رأى أن لمن سيجئ من
المسلمين بعد جيل الفاتحين ممن يدخل فى
الإسلام حق فى هذا المال، واستدل بالآية
القرآنية: "وَالَّذِينَ
جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ"
وقد جاءت الآية
معطوفة على من لهم حق فى الفئ من المهاجرين
والأنصار، فنظر عمر فى ذلك إلى مصلحة
المسلمين لا فى عصره فقط، بل فى العقود
والقرون التالية، وكان قرار عمر بموافقة
الصحابة أساس ما عرف فى الإسلام بأرض
الخراج المملوكة للدولة، والتى ظلت كذلك
قرونا حتى وزعها السلاطين والأمراء فى
أقطار العالم الإسلامى على الأفراد بيعا
أو إقطاعا على مدى القرون.
مما
سبق يتضح أن امتلاك أدوات الإنتاج فى
الإسلام لا يخضع لتفضيل أيدلوجى، ولكن
لاعتبارات المصلحة، فإذا كان من مصلحة
الدولة أن تحتفظ بثروة قومية معينة، أو
أن تؤمم صناعة ما لاعتبارات الأمن القومى
فذلك مما يباح، أما إذا كان ذلك بغرض
الإضرار بفئة اجتماعية انتقاما أو خوفا
من نفوذها على سلطة من بيده السلطان فذلك
مما يحظر طبقا لقاعدة "تصرف
الإمام فيما يلى مقيد بالمصلحة"،
لكن يجب مراعاة حقوق الملاك والملكيات
القائمة عند صدور هكذا قرارات، فأى نزع
للملكية فى الشريعة الإسلامية لا يكون
إلا من خلال عقد بيع بالسعر المجزى للبائع،
ولا يحتج بما فعل عمر فى مسألة الأرض
المفتوحة عنوة لأنه اعتبر أن ملكيتها آلت
للمسلمين غنيمة حرب، وهذا لا ينطبق على
أموال المسلمين وأهل الذمة.
7- المرونة،
والعملية
تتأسس
هذه القاعدة على قاعدة أخرى أعم هى أيضا
من أصول القواعد الفقهية التى اعتبرها
علماء الشريعة أساسا لتشريعاتها، وهى
قاعدة "المشقة
تجلب التيسير" أوب
صياغة أخرى "رفع
الحرج"
وتتأسس
هذه القاعدة على الآية القرآنية "
وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"
والحرج هو الضيق.
وكذلك
تتأسس على قول النبى (ص):
"إن هذا الدين
يسر".
وتفسير
ذلك أنه كلما تحققت المشقة أتت الشريعة
بالرخصة لرفعها.
وتجليات
هذه القاعدة فى التشريعات الإسلامية
المتعلقة بالنشاط الاقتصادى عديدة منها:
أ- إباحة
بيع السلم، وهو تعجيل دفع الثمن للبائع
على أن تكون السلعة دينا فى ذمته وهذه
رخصة لحاجة الناس للتعامل به لتوفير
السيولة ولذلك سماه بعض العلماء "بيع
المفاليس".
وبيع السلم مستثنى
من تحريم بيع المعدوم، وبيع الإنسان ما
ليس عنده، ولكن وضع العلماء شروطا تضمن
تقليل الغرر والمخاطرة، وجعلهما فى الحد
المقبول، وذلك موافق لقاعدة تقليل المخاطر،
وللنهى الشرعى عن بيع الغرر.
فمن
شروطهم:
- أن يحدد المتعاقدان
فى إتفاقهما الشئ المسلم فيه بقدره إن
كان كيلا أو وزنا أو عددا، وصفته على نحو
لا يقضى للمنازعة.
- أن يحدد الثمن
بدقة.
- أن يحدد الأجل
بدقة.
- أن يكون الشئ
المسلم فيه من المكال والموزون، أو العدد
المتقارب كالجوز، والبيض (الذى
لا تتباين الصفات بين أفراده بشكل مؤثر)،
أو مما يمكن ضبط صفته بدقة لا تفضى للمنازعة،
ولا يكون فيها الغرر الظاهر، وهذه القاعدة
متفق عليها، ولكن تطبيقها مختلف فيه فربما
وجد فقيه أن سلعة ما يمكن ضبط صفتها على
النحو المذكور فيجيز التعامل فيها بالسلم،
ويرى غيره عكس ذلك فلا يجيز، فالاختلاف
فى ذلك اختلاف فى التقدير.
- أن تكون السلعة
المسلم فيها موجودة فى الأسواق ساعة
العقد، ويتوقع أن تكون موجودة طول مدة
الأجل حتى موعد التسليم هذا عند الأحناف،
وعند الشافعية يكفى أن يكون من المتوقع
وجودها فى موعد التسليم، وهذه الشروط
تهدف إلى التقليل من خطر العجز عن التسليم.
- أن تكون السلعة
والثمن مما يجوز بيعهما بالأجل ولا يكونا
من الأصناف التى يحرم فيها النساء (أى
البيع بالأجل) تجنبا
للسقوط فى ربا النساء، وقد فصلنا ذلك
سابقا.
ب- إباحة
الإجارة عند العلماء إلا خلافا شاذا لا
يؤثر فى الإجماع، وفى ذلك رخصة باستثنائها
من النهى عن بيع المعدوم، لأن الإجارة
بيع للمنافع، وهى معدومة عند التعاقد،
وذلك لحاجة الناس الملحة للاستئجار
العقار، والأرض، والأشياء، والأشخاص،
حتى أن المشقة تلحق بالناس بمنعها فأتى
الشرع بالتيسير، ودليل ذلك تعامل الناس
فى عصر النبى ()
من غير إنكاره مع
شيوع ذلك بينهم، فكان إقرار
منه وتعامل الصحابة فيه من غير إنكار
أحدهم فكان إجماعا منهم.
ج- إباحة
المضاربة، وهى الإجارة على العمل فى
المال، واستثماره بنصيب من الربح، وهذا
استثناء من الأمر النبوى: "من
استأجر أجيرا فليعلمه أجره"،
ومن النهى عن الضرر، لأن الربح غير معلوم
قيمة، فيكون فى الأجرة بعض الضرر، ولكن
منع المضاربة فيه حرج على الأفراد
والمجتمعات، لأنه ليس كل من يملك المال
بقادر على استثماره بنفسه فلولا المضاربة
لترك عدد كبير من الناس استثمار أموالهم
واستهلكوها حتى تفنى، وللحق المجتمع حرج
بتعطيل جزء كبير من ثروته.
د- إباحة
المزارعة عند كثير من العلماء، وهى إيجار
الأرض للزراعة ببعض الناتج منها، وفى ذلك
رخصة باستثنائها من النهى عن الضرر، لأن
مقادير ما تغله الأرض غير معلوم وقت العقد،
وذلك لحاجة الناس إليها، فليس كل مزارع
يملك أرضا، وليس أكثر المزارعين بقادرين
على إيجار الأرض بمال معلوم، لأن الغالب
عليهم الفقر، فترخص كثير من العلماء فى
إباحة المزارعة، واستدلوا لذلك بأن أكثر
الصحابة قد أباحوها، ولم يرد النهى عنها
إلا فى أحاديث رافع بن خديج المعروفة فى
هذا الباب، وهذه الأحاديث لها العديد من
الروايات المختلفة الألفاظ والمتباينة
طولا واختصارا، وللفقهاء حسب مذاهبهم
طرق مختلفة فى فهمها وتأويلها، وليس ذلك
موضع مناقشتها، فمن أراد التوسع فى المسألة
فيطلبها فى مظانها.
ونلاحظ
أن قاعدة المشقة تجلب التيسير أو "رفع
الحرج" قريبة
من قاعدة إزالة الضرر، ولكنها تتعلق بنوع
واحد من الضرر، وهو المشقة الناتجة عن
تطبيق بعض الأحكام الشرعية، فتدخل الرخص
لرفع هذه المشقة، وإزالة هذا الضرر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق