الخميس، 23 أغسطس 2012

تقريب التصوف.. دراسة تأويلية (1)


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سبحانه لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل، و الله أكبر كبيرا، والصلاة والسلام على النبي محمد (ص) ، و آله ، وصحبه في العالمين، أما بعد:
فإن التصوف هو أكثر المباحث إثارة للجدل في تاريخ العلوم الإسلامية، فبينما نسبه قوم إلى الإلحاد ، و الزندقة، و الشرك، ورموا منتحليه بالقول بحلول الله بذاته في الأشياء ، و بعبادة الأضرحة والمقامات، و تأليه الصالحين و الأولياء، اعتبره آخرون روح الإسلام، و حقيقة الإيمان، و نعتوا السالكين سبيله بالولاية والكرامة، وعدوهم  وحدهم أهل المعرفة بالحقائق، و الإحاطة بالبواطن، و لقد كان هذا التباين في الموقف من التصوف قديم بعمر الظاهرة نفسها تقريبا، فالخلاف الذي حدث في أيامنا هذه في القرن الخامس عشر الهجري بين أبي إسحاق الحويني السلفي، و الشيخ علي جمعة الصوفي نجد له سوابق عديدة وصولا إلى الخلاف بين الإمام أحمد بن حنبل ، و الحارث المحاسبي في بدايات القرن الثالث الهجري، و على امتداد تلك القرون ظل السؤال حول التصوف مترددا لا يكاد يجد إجابة علمية موضوعية ، بل إجابات متحيزة بحسب المعسكر الذي يقف فيه الباحث إلا من رحم الله من الراسخين في العلم ، و كأن الجميع قد تشبهوا بقوم ذمهم الله - تعالى- في كتابه ، ونهانا أن نكون منهم، و هم "الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون" ، و لعل دعوة أحد كبار العلماء المعاصرين " لأسلفة التصوف، تصويف السلفية" هي الوصفة الأقرب لما يحتاجه الواقع التربوي الإسلامي ، إذ أن كلاً من علماء "الظاهر" ، و المتصوفة قد وضعوا أيديهم على جانب من حقائق الإسلام ، ولكن كل فريق أخطأ حين تعامل مع ما عنده على أنه الإسلام الصحيح، والإيمان السني، و ما عند أخيه على أنه الخطأ و البدعة و الضلالة، أو أنه زوائد وشواغل لا ضرورة لها، والحق أن لا غناء لطرف فيما عند أخيه على ما سنبين.
تهدف هذه السطور إلى النظر الموضوعي للتصوف، والبحث عما يمكن أن يقدمه للفكر التربوي الإسلامي المعاصر، وما هي القيم الإيجابية التي يدعمها، و السلوك القويم الذي يغذيه ، كما تحاول تحديد الأخطاء التي وقع فيها رواد هذا الطريق ، و التي انحرفوا بها عن الفهم السليم للنصوص الإسلامية الأساسية، كما تهدف أيضا لمحاولة تحديد الأسس التي يمكن أن نجدد من خلالها المنهج الصوفي لكي يلعب دورا محوريا في تقديم روحانية فعالة إيجابية تمثل طاقة خير لصالح الإنسان في الدنيا و الآخرة، كما يحاول الباحث في هذه الدراسة أن يتجنب الروح الاعتذارية التي تسود بعض الدراسات التي تحاول أن تنصف التصوف، و هي الدراسات التي اعتادت أن تنفي بدون دليل واضح الآراء و الأقوال المنسوبة لأئمة التصوف ، والتي يخالف ظاهرها صحيح المعتقد الإسلامي، أو تعاليم الكتاب والسنة، و ادعاء دسها على الشيوخ بغرض تشويه سمعتهم و سمعة التصوف رغم أن أكثر هذه المقولات مأخوذة من المراجع الصوفية نفسها، لأننا لو جوزنا ذلك لأمكن أن ندعي بالمثل أن المقولات المنسوبة إليهم، و التي تتفق مع صحيح المعتقد الإسلامي ، وتعاليم الكتاب و السنة مدسوسة كذلك بغرض تحسين صورتهم و تبييض صفحة التصوف ، و سنعتبر المقولات المنسوبة لشيوخ التصوف صحيحة طالما وردت في المراجع المعتمدة لمذاهبهم خاصة المراجع الأقدم مثل اللمع للسراج الطوسي، و عوارف المعارف للهويجري،و التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، و الرسالة للقشيري، و مؤلفات أبي حامد الغزالي، لأنه طالما أثبتت المقولة في مثل هذه الكتب الأساس عند أهل التصوف ، فإن ذلك دليل على قبولهم لها ، و أنها موافقة إما بظاهرها أو بتأويل لها لمذهبهم، سواء صحت نسبتها لهذا الشيخ أو ذاك أم لم تصح، و سيكون اعتماد الباحث على هذه الكتب التي ذكرناها دون غيرها كونها المصادر الأقدم ، والأكثر توثيقا في رأينا لمذهب أهل التصوف ، وكلام شيوخه الأكابر.
في أصل كلمة "الصوفية":
يبدأ الجدل حول الصوفية من أول تحديد أصل هذا المصطلح، و يمكننا أن نحدد أربعة أقوال أساسية في تلك المسألة:
أولا: أصلها من الصوف ، باعتبار عامة لباس أهل هذه الطريقة المتقدمين كان من الصوف زهدا، وتقشفا ، و هو الرأي الذي رجحه كثير من المتصوفة أنفسهم.
ثانيا: نسبة و تشبها بأهل الصفة: وهم مجموعة من الصحابة كانت تعيش في المسجد متفرغين للعبادة، و تلقي العلم النبوي ، و أشهرهم أبو هريرة -رضي الله عنه- و لم يكن لهم عيال و لا أموال، وعلى هذا الرأي كانت الطائفة تسمى أولا صفية، ثم تحورت إلى صوفية، و هذا ممكن نظريا ، لكننا لا نجد أبدا في أي مرجع أن مصطلح "صفية كان له أي وجود تاريخي ، بل إن أقدم المصادر و الروايات تستخدم مصطلح صوفية مما يضعف هذا الفرض.
ثالثا: نسبة لصفاء القلب و الروح: و يضعف هذا الرأي أن الاشتقاق اللغوي في النسبة للصفاء (صفائية)، و يمكن أن يحور إلى (صفاوية)، و ليس إلى صوفية.
رابعا: أن اللفظ تعريب لكلمة sofia الإغريقية بمعنى الحكمة: و هذا الرأي الذي رجحه تاريخيا أغلب أعداء التصوف لما يوحي به من تشبه أصحاب الطريقة بالوثنين، و انخلاعهم من ربقة الإسلام، واشتقاق مذهبهم من الفلسفات الكافرة، غير أن هذا الرأي تلقفه بعد ذلك كثير من المستشرقين و انتصروا له فرحين أن يجدوا للحضارة الغربية ذلك التأثير الكبير في عقائد المسلمين وديانتهم، و من خلالهم تبناه عدد من مفكري المسلمين ممن تربوا على الفكر الغربي مثل الأستاذ المغربي المعروف الراحل محمد عابد الجابري، و يتفق هذا الرأي في أصل كلمة التصوف مع الادعاء بأن المتصوفة قد تأثروا في تأسيس مذهبهم بفلسفة الإغريق، و خاصة بالمدرسة الأفلوطونية الجديدة، , و نحن نستبعد تماما هذا الرأي ، و من يذهبون له يؤيدون مذهبهم بنصوص لأمثال السهروردي صاحب كتاب "حكمة الإشراق" الذي عاش في القرن السادس الهجري، و أقوال لمحي الدين بن عربي و هو من أعلام القرن السابع، و أشباههم من متأخري المتصوفة، ونحن لا ننكر أن يكون لهؤلاء أو لغيرهم من متأخري الصوفية تأثر بفلسفة الإشراق خاصة أنها قد ذاعت نسبيا في الفكر الإسلامي منذ ابن سينا ، ولكن لا جدال أن كلمة الصوفية أقدم من السهروردي بكثير، كما أن أصول الصوفية سلوكا وعلما قد اكتملت في القرن الثاني، أو أوائل القرن الثالث الهجري على الأكثر ، و تشكلت في بيئة ثقافية إسلامية خالصة تقريبا، فنحن حين نراجع ترجمات رواد التصوف الأوائل أمثال الشبلي، والجنيد، و السري السقطي، والنوري، ورويم بن أحمد، و سهل بن عبد الله، و رابعة سواء طالعناها في مصادر المتصوفة، أو غيرها من كتب الرجال لا نجد أن لهؤلاء و من في مثل طبقتهم من المتصوفة اتصال بالثقافات غير الإسلامية، أو اطلاع على الثقافة الفلسفية اليونانية، و لا نجد بين أشياخهم من عرف بالتفلسف ، أو درسه، أو اشتغل به، لذلك فنحن نرجح أن تكون الصوفية مشتقة من الصوف لما ذكرنا من الاعتراضات التي تدفع غير ذلك من الأصول المزعومة للكلمة.


ثانيا: صعوبات منهجية في دراسة التصوف:

تتمثل أهم صعوبة في دراسة التصوف في لغة الأدبيات الصوفية نفسها، فبينما يتعامل الباحث في علم الكلام أو علم الفقه مع أدبيات تعتمد الأسلوب العلمي في الكتابة، و بالتالي يمكن لجميع الباحثين الوصول لنفس المعنى عند دراسة مصطلح من مصطلحات المتكلمين، أو الفقهاء ، أو الأصوليين، فكل الباحثين في الكلام يعلمون بالتحديد ماذا يقصد المتكلم حين يطلق مصطلح مثل القديم أو المحدث أو الجوهر أو العرض، و كل باحث في الفقه يعرف تماما ماذا يقصد الفقيه بالواجب، والفرض، والحرام ، وحتى لو تباين استخدام المصطلح بين المذاهب ‘ فإن الدارس الملم بالفقه المقارن يدرك ذلك بسهولة مثل تمييز الأحناف بين الفرض والواجب خلافا لباقي المذاهب، لكن هذا اليقين،و هذا التمييز يتلاشى تماما عند التعامل مع الأدبيات الصوفية ، لأن الباحث لا يكون أمام نص علمي بالمعنى التقليدي ، بل مع نص أدبي يعتمد الكنايات، و الرمز، ومولع بصياغة عبارات ذات مستويات عدة للدلالة ، وبإحالة المتلقي إلى المسكوت بدلا من التصريح بالمنطوق، بالتالي فإن أي دراسة للتصوف هي بطبيعتها دراسة تأويلية، وكأي دراسة تأويلية لا يمكن إغفال دور القاريء في  استخراج الدلالة من النص، أي أن المعنى يكون بالضرورة نتيجة للتفاعل بين القاريء والنص، تأسيسا على ذلك يمكن أن نتوقع أنه إذا كان للقاريء رأي سلبي مسبق في التصوف ، فلا يمكن إلا أن يستخرج معان سلبية لما يقرأ، والعكس بالعكس.

لنأخذ مثلا ، وهو قول رويم بن أحمد عن التوحيد: "محو آثار البشرية، و تجرد الألوهية"، فهذا النص يمكن تأويله على معنى أن الموحد الحقيقي ينخلع من حوله وقوته إلى حول الله و قوته، و من إرادته إلى إرادة الله ، ومن هواه إلى حكم الله، ومن التعلق بالأسباب إلى التوكل على الله، ومن فرحه و حزنه إلى الرضا بقضاء الله، فلا يكون للصفات البشرية على الإنسان أثر، و بالتتالي يظهر خضوعه المطلق للألوهية مجردا ، وعلى هذا التأويل تكون هذه العبارة التجلي الأكمل لقول الله تعالى: "قل إن صلاتي و نسكي ومحياي و مماتي لله رب العالمين"، لكن هذا النص يمكن لشخص آخر أن يأوله على معنى حلول الذات الإلهية في البشري، وعلى هذا يمكن استخدامه في التشنيع على المتصوفة والتصوف.، وبالمثل يمكن أن نفهم النص الشهير المنسوب إلى أبي يزيد البسطامي "ما في الجبة إلا الله" على أن الله فيها بعلمه، وقضائه، وقدره، و إحاطته كما ذهب المفسرون في تأويل قول الله-تعالى- "وهو الله في السماوات والأرض"، و يمكن أن نفهمه على معناه الحرف فنتهم البسطامي و معه المنصوفة جميعا بالكفر والضلال، و لقد كان الصوفية واعين تماما للصعوبات التي تكتنف أساليبهم التعبيرية ، و إمكانية الوقوع في الفهم الخاطيء لها بحسن نية أو بسوء نية لذلك فقد تحدثوا عن المضنون به على غير أهله، مما جر عليهم شبهة الباطنية ، و أن لهم عقيدة خفية غير ما يعلنونه للناس من اتباعهم لعقيدة الإسلام، و ساهم في دعم ذلك ادعاؤهم أن لكل مصطلح إسلامي ظاهرا هو حظ العوام من المتدينين و حقيقة يتحقق بها الخواص من أهل العرفان، لكن مراجعة أدبياتهم تؤكد أن تلك المعاني الخاصة لا تتعارض في المجمل مع العقيدة الإسلامية، أو تعاليم الكتاب و السنة، لكنها تمثل ذروة عالية لا يقدر على الوصول لها إلا الأشداء، فمثلا ورع العوام عندهم ترك اشبهات، و ورع الخواص ترك كل ما لا يقرب إلى الله، وصبر العوام عدم الجزع، وصبر الخواص عدم الحزن، وصبر خواص الخواص الانشراح لجميع ما قدر الله.

يجدر هنا أن نسأل سؤالا هاما: هو لماذا اختار الصوفية هذا الطريق الصعب للتعبير عن علومهم؟ بمراجعة كتب التصوف للبحث عن إجابة هذا السؤال نجد إجابتين، أولها إعزاز علم التصوف عن أن يرتاده من ليس من أهله من العامة، أي أن الغموض هو أسلوب متعمد صيانة المضنون به على غير أهله، و الإجابة الثانية،و هي الأجدر بالاهتمام في رأيي أن حقائق هذا العلم -من وجهة نظرهم- لا يمكن التعبير عنها كأفضل ما يكون بغير الرمز و الإشارة، أما الشرح فهو يخفي المعنى و لا يظهره لأن اللغة في استخدامها المباشر غيرمهيأة للتعبير عن حقائق هذا العلم، كما أن الشرح يذهب رونق العلم الصوفي لأنه يمنع المتلقي عن التأمل في العبارات، والربط بينها وبين تجربته الذوقية الخاصة، و لعل هذا ما قصده السراج الطوسي حين قال في اللمع: " وهذا العلم أكثره إشارة لا تخفى على من يكون أهله، فإذا صار إلى الشرح و العبارة يخفى و يذهب رونقه.

و ثاني صعوبة تواجه الباحث في التصوف أن عبارات أهله تعبير عن تجربة روحية خاصة، بأثر من كونها تنظير لمفاهيم محددة جامدة، و هذا يؤدي لما يمكن أن نسميه ذاتية الرؤية الصوفية، وعدم الانتباه لذلك يؤدي بالباحث إلى الحيرة ، فعلى سبيل المثال يعرف أحد المتصوفة الكبار حقيقة التوبة بأن تنسى ذنبك، فيما يعرفها شيخ آخر من أكابرهم بأن لا تنسى ذنبك، وهذا التناقض الشكلي ناتج من أن كل واحد منهما يعبر في الواقع عن تجربته الذاتية مع التوبة، فأما من رأى حقيقتها أن تنسى ذنبك، فقد أشار إلى معنى نسيان كيفية الذنب، و اللذة المترتبة عليه لانشغال الفكر عن ذلك بالتدبر، والجسد بالعبادة، و النفس بلذة الطاعة، و الروح بمشاهدة الأنوار، فحقيقة التوبة من شرب الخمر على هذا المعنى ألا تذكر لونها، و طعمها، ورائحتها، ونشوتها، و كأنك ما رأيتها، ولا تناولت كاسها، ولا رشفت ماءها،لكن من رأى حقيقة التوبة ألا تنسى ذنبك فقد قصد أن يظل القلب مفطورا من الندم، و العين باكية ، واللسان لاهجا بالاستغفار، و أهل التصوف يفهمون هذا التناقض الذي يبدو بين عبارات المتصوفة وبعضهم البعض، بل و بين عبارات نفس الصوفي في الأحوال المختلفة على أنه نتيجة مشاهدة لأبعاد مختلفة من شيء واحد، أو مشاهدته من زوايا مختلفة.
الخلاصة أن النص الصوفي صعب المراس، مكتنز بالدلالات، قابل للتأويلات، لا يفصح عن معناه لمن يمر عليه مرور الكرام و ولا لمن يتعالى عليه من الباحثين، نص لا يستجيب من أول مرة، و لا يبوح بأسراره إلا بعد تأمل و شقاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق